إلى طه الطاهر.. صديقاً وشاعراً قتيلاً

     

 

 

الأصدقاء الفنانون: كاظم الخليفة، طه الطاهر، قاسم الساعديقاسم الساعدي

" آه لقد صار صاحبي الذي أحببت تراباً" جلجامش

اللية يهمي مطر مر، دمع حالك.. مر وقطران،
فقمر الثورة الحزين، يوشك الليلة، أن يرحل وحيداً..
يبدد الدمع خرائطنا التي رسمناها على صفحة الماء، ليس سوى هباء، وسوى دوائر
تكبر كالصرخة، كالسؤال..
الليلة.. تكون العيون، بين سماء الله والقلب الموجعنبحث عن نجمة غاربة،كنا اقترحناها
أن تكون هناك عند إنتهاءات السواري والسماء، لكن الرايات... وا أسفي.. كما الأحلام منكسة
وما عاد في الوقت بعد الآن متسع
الليلة تأتي البلاد بأسرها، من أقصى شمال الأرض، إلى أقصى الجنوب.
تأتي قبائل، بيارقها: نار وغضب.. نار وغضب
يأتي الشهداء.. يأتي الأسرى.. ويأتي قتلى كثر مؤجلون.
مشاحيف القرى النائيات، تأتي ناحلة، مصعدة أعناقها، نحو نجم سرى في البعيد
البعيد.
الليلة يأتي الهور عريانا، تأتي بغداد
حافية، ليس سوى الدم، نذروه
الوحشة، ومن حرقة الروح تهمي الأهلة،
وتمضي النسوة، النسوة المتلفعاة
بالأسود الأبدي، في دهر من النحيب.
الكل يأتي الليلة، يلهج بالسؤال:
أهكذا، سريعا، تمضي قتيلا؟
من أثار شهوة الموت عند الله، من غرر المكان بخطفك..
من يجرؤ هكذا أن يسرق بعضا من ظلالك، من بين جلودنا..
من يستبيح ضمائرنا.. من يعبث بالدمع ويقلب فينا المواجع؟
أكان هو الملك الروح ذلك؟ أم قاتل مأجور؟
أشيطان أراد أن يغيظ الله، أم هي الوحشة.. هناك، في الأعالي
هي من حرض الملكوت بأخذك، من بين قلوبنا، كي يباهي الله مجلسه بك..
قد كان عرسك الأول زاهيا، فلماذا أغفلت دعوتنا حين لاح الموكب الآن
وأي المنايا كان هودج عرسك، قد كنت بنا رؤوفا
رغم كل خطايانا، رزايانا.. وأخطاءنا
الليلة يأتي كثير مما أحب وأفقد.. إبراهيم زاير"1" بهيا رغم غبار عرسه الكاكي.. معه تأتي: رسوم، أشعار، وخطة واضحة المعالم لغد من نوع آخر تماما.. غير أن الخريطةكان ينقصها ما اخترقته الرصاصة الأخيرة.
تأتي منى زغلول"2" بضحكتها الآسرة، ما كان ينثني الموت إلا أمامها لكنه – بغتة – عافها، حين رسمت على القلب لوحتها الأخيرة.
يأتي أبي، وأختي سليمة.
يأتي عرب كثيرون، يأتي كرد، قبائل مصدورين، جياعا، وقتلى من كل جنسيات كوكبنا الأرضي... يأتي فقراء يلوذون بظل قصائدك، قصائدك التي كنت أرجوك أن تبعثها كي أتدبر نشرها، وقد كنت أنوي مفاجئتك بطباعة ديوانك الأول.. لكني ما علمت بأنك كنت تخبئ وردة الموت بين فصول الكتاب.
قد كنا بأنتضارك يا صديق..
وما كنا نفاجئ، لو تأخرت قليلا..
ولكن ليس أن تأتي قتيلاً،
فإنا عابرون، الليل نحوك..
ها هنا.. أم هناك: إنا لملتقيان..
سيطول حديثنا .. عذب ومر..

 

بلتهوفن- هولندا أيار 1998
----------------------------------------------
"1" رسام، ناقد، ومناضل. من مؤسسي حركة المجددين في الفن التشكيلي العراقي، أعتقل كثيرا، عمل في صفوف المقاومة الفلسطينية منذ انظلاقها، أختار لحظة إنهاء حياته بنفسه.

"2" رسامة مصرية مقيمة في باريس، أنتصرت لحرية الفنانين العراقيين وكان إخلاصها في منتهى الشعر.

 

 
 

الصفحة الرئيسية | قصائده | قصصه القصيرة | سيرة الشاعر | الشاعر رساماً | كتبوا عن الشاعر | سيناريو
جميع الحقوق محفوظة © 2006                                                                         hosted & designed by: The Red Elephant