شاعر يبحث عمن يرسم صورته

     

 

 

رسم للفنان التشكيلي كاظم الخليفةجبة الدرويش وبقايا منتحر
جمال البستاني/ عمان

جبة الدرويش هي بقايا عثر عليها من قبل أصدقاء الأديب العراقي(طه الطاهر) بعد إنتحاره في بغداد عام 1998 حسبما أخبرت بذلك وبصراحة هي ليست كل نتاجه فربما سيعثر مستقبلا على نتاج هذا الشاعر والقاص الذي لم يكن معروفا في الأوساط الثقافية على نطاق واسع والسبب معروف أيضا فهنالك تعتيم على الأصوات الحقيقية والرافضة للواقع الثقافي الذي كرسته المؤسسة الدعائية في زمن الديكتاتورية حيث تخنق أجمل الأصوات وأشدها نفورا.
من الواقع المكرس ميدانيا في زمن أغتيلت فيه الكلمة الصادقة والمعبرة عن الواقع تعبيرا حقيقيا غير مغلق برياء أو نفاق.
ومن هنا كانت أزمة الطاهر الذي قدم لنا صورة عن واقع تلك الحقبة مؤرشفا ومن خلال حسه المرهف طبيعة عالمه ومحيطه ببراءة ومكر في الوقت ذاته.
والفجيعة تكمن في تمرد هذا الشاعر والقاص على محيطه الواقعي باحثا دون جدوى عن عوالم أخرى أشد نقاء مما يجري حوله من دنس وتدنيس لقدسية الكلمه وشرف الكتابة وعزائنا الوحيد أن هناك من سيتابع بقايانا بعد موتنا جسديا أو معنويا وربما كان من الافضل له ذلك الصمت انتظارا لزمن أكثر أناقة وشفافية من ذلك الزمن الملئ بالزيف حيث لمعت وجوه وغيبت وجوه فضاعت الحقيقة حقيقة تاريخ الأسى والضياع.
وببساطة شديدة أمتلك (طه) وعيا للخطة فانشغل بتدوينها دون تزييف أو ترقيع كان دافعه الحس الوطني متوسعا الدخول إلى أعماق ذواتنا وقد نجح في لإن تبقى لغته البسيطة مدوية دون جلبة أو ضجيج.

في مقدمة الشاعر عيسى حسن الياسري عنه ملحما عن الشاعر الراحل وطبيعة حياته القصيرة.
هناك شلة من الرجال الضاحكين
مرفوعي الراأس
يتحلقون بين ليلة وأخرى
حول مائدة عامرة
مترعة كؤوسها بالحب والأدب
بالمناكدة, وبالجنس, بالسياسة
حافلين بكل أمل وعابثين بكل ياس
واضح أن (طه) كان ركنا من أركان هذه الشلة المتمردة، الضاحكة الماجنة وشلة طه تجتمع حول مائدة عامرة ليس بالحب والأدب فقط، بل يجمعها أيضا اليأس والنفوس المحطمة والمتعبة والباحثة عن معنى وجودها وسط ذلك الخراب الممعن في الرتابة والملل في هذا الوسط كان الشاعر يبحث عن لحظة انعتاق وخلاص.
 ومن قصيدته (المدينة الذاكرة) نستشف حجم سؤاله فهو يقول:
من يرسم صورتي هذه الليلة؟
اي لحن
وأي جرس..سأستطيع الإذعان؟
هذه الليلة
والسؤال هنا ليس سؤالا مباشرا بل هو إحالة للمتلقي ليئول هذا السؤال. فأي معنى للوجود دون ملامح محددة. وأما اللحن والجرس الذي يرن في رأسه هو جرس الموت والانتهاء وربما الشهوة التي بحث عنها طويلا ويأسف آنها شهوة الغناء لدى الشاعر في أخر القصيدة الطويلة..يقول:
صريع فأرسموني كيفما شئتم
وتزاحموا على تذاكر الاتزام
فليس مهما لديه كيف ستكون صورته..
المهم لديه إنه كصورة سيبقى.. في قصيدة
(النخيل قبلتي) صورة قاتمة كما يقول:
أنا الغرير
سأصحو
او ربما سأنام
أو مؤجل كل هذا
منظر تلك الرؤى
وذلك الوهم
منظرا ان تدوي برأسي
ساعة من الفرح
ولو مرة واحدة
ولكن هيهات ان يتسنى له ذلك الفرح
المنظر الموهوم, ثم يخاطب بغداد (بغداد غطي جثمان شاعرنا)
بغداد-تهيأي
بمكبرات صوتك
بهذه المناخير القذرة...بصعاداتك
بواحد وعشرين إطلاقة مدفع
فرحا بالأفاقين..سماسرة الغاء
والقاتلين غسلا للعار
بلا فتات الفاشست الكريمة
تزين شوارعك
بغداد
غطي منازلك الفقيرة بلون الرصاص
هكذا أمر البعث
غطي عوراتك واحدة تلو الأخرى
غطي الأبرياء في سجونك
وتلك صورة تتجسد فيها الإدانة والسخرية
المرة من واقع مدينته الحبيسة.
وعلى هذا المنوال تحمل مجموعته اليتيمة (جبة الدرويش) صورة بانوارامية عن أمكنة ومواقف جسدها شعريا وقصصيا في لغة تقترب من لغته الرفض والتضاد مع المألوف والسائد.
 أما القصص الثمان التي حوتها المجموعة فهي تمثل لمرحلة عبر سردية (مشهدية) لشخوص كان لهم أثر في حياة المجتمع العراقي حيث لا يتوانى القاص هنا عن ذكر الأماكن والزوايا والأحداث في مواقعها وأسمائها الحقيقية , فشخصية ملا يوسف الخالدي الشعبية هي مثال للفطرة والذكاء والنقاء الذي يميز أبناء المحلة الشعبية فهو يتحدث بتلقائية عن مدينة الوشاش التي آزاح المطار الجديد موجوداتها المكاني بينما لازال معظم آبناءها يعيشون ذكراها.
والقصص الأخرى تتحدث عن أبطال مغمورين خلدتهم الذاكرة الشعبية العراقية ومنهم (لإبراهيم عرب) الذي قدمه القاص بطريقة تهكمية سافرة حملت معنى الإدانة والتحريض وتلك سمة ميزت قصص (طه الطاهر).
ولابد من الذكر اخيرا الكلمات والشهادات التي ضمنتها المجموعة من قبل أصدقاء الراحل ومنها شهادة (ابتسام يوسف الطاهر بعنوان (اعتذار متأخر جدا..جاء في نهايتها:
أيها الشاعر الجميل لم ترحل عنا، أنت فينا في كل كلمة نقرأها في قصصك وقصائدك ورسائلك الوفية للعراق الذي احببت وتمنيت لعلنا نقرأها يوما بلا دموع نتعلم منها الحب والكلمة والطيبة الوفية عسى أن نتعلم من حروفك كيف نزرع الامل في عراق تسوده المحبة والأخوة والسلام.. عراق خال من الزعل ودغل اللئام.
وكان للفنان التشكيلي قاسم الساعدي المقيم بهولندا كلمة بحق الفنان طه الطاهر إذ يقول عنه شعرا.
الليلة يعمى مطر مر ودمع حالك مر وقطران فقمر الثورة الحزين يوشك الليلة أن يرحل بعيدا.

 

 
 

الصفحة الرئيسية | قصائده | قصصه القصيرة | سيرة الشاعر | الشاعر رساماً | كتبوا عن الشاعر | سيناريو
جميع الحقوق محفوظة © 2006                                                                         hosted & designed by: The Red Elephant