من أجل دفئنا قدم جسده قرباناً للنار

     

 

 

الشاعر الكبير عيسى حسن الياسريعيسى حسن الياسري

 "هناك شلة من الرجال الضاحكين

مرفوعي الرأس

يتحلقون بين ليلة وأخرى

حول مائدة عامرة

مترعة كؤوسها بالحب والأدب

بالمناكدة، بالجنس، بالسياسة

حافلين بكل أمل.. وعابثين بكل يأس

متحلقين يتحدثون عن "فدعة" و "دستوفسكي"

جاهدين ينتزعون لياليهم

ينتزعون لياليهم ليلة تلو أخرى

 ناء وقريب.. متوهج كموقد نار.. ومورق كربيع في عنفوان طفل يمشي على عجلة خشبية.. وشيخ طاعن في السن يجالس هذياناته الغامضة غريب لم يألف أحداً.. ويحب حتى الذوبان فيمن يحبه.. هذا هو الشاعر (طه الطاهر) وكما عرفته منذ أن كان طفلاً يأتي قريتنا مع الخالة "حليمة" ليغمر جسده الغض في نهر "أبو بشوت" وسواقيه الراكضة باتجاه الحقول، ومن ثم إلى اللحظة التي جاءني خبر رحيله.. إذ وبعد أن أصبح جسده عبئا عليه.. وبعد أن رأى كثيراً من يحبهم وهم يرتجفون من برد الرغبة وبرد الجوع.. وبرد مغادرة من يحبونهم دونما وداع.. عند هذه الفاصلة التراجيدية من حياة تعرت عن كل ما يمكن أن توصف بأنها حياة. وبدلاً من أن يغمر جسده بمياه "دجلة" التي تشققت هي الأخرى من كثرة ما تسرب أليها من دموع الحزانى والفاقدين.

والمفارقة هنا، وفي ليلة بعيدة عن تلك الشلة من الرجال الضاحكين و "المرفوعي الرأس" والذين شتت جمعهم الجميل والمدهش عتمة الكارثة وعصف ريح العنجهية..

*       *       *

هل مات "طه"؟ لا أعتقد..

لقد أراد أن يحتفل بنا من خلال إحتفاله بموته..

"لا بد أن أحييكم في هدأة الليل.. هذي

الساعة تشير إلى الثانية والربع..؟؟"

 كل شئ قد حدده طه بنفسه.. أنه لم ينس وهو يستعد أن ينهي رحلته الفاجعة في هذا العالم أن يرفع يده لنا بالتحية.. نحن الغارقين في سباتنا العميق.. كما لم ينس أن يحدد حتى الزمن بكل دقة "الثانية والربع" فأي معنى ترمز له عقارب الساعة التي تشير إلى "الثانية والربع ليلاً" أهي ساعة ولادته..؟ أم الساعة التي ينهي فيها "الرجال الضاحكين" ليلتهم التي انتزعوها من أشداق الزمن المفترسة؟.. أكانت هي الساعة التي غادرته فيها "حليمة" أمه.. وتركته طفلاً يرفض الرضاعة من أثداء النساء الغريبات..؟ أكانت تلك الساعة هي ساعة رحيل الأخ والصديق والصاحب "يوسف" والذي مع رحيله تفرق شمل أولئك الرجال ذوي الكؤوس المترعة بالحب والأدب.. حيث أنقلبت المائدة.. وتحطمت الكؤوس فوق شفاه الحجارة المتشققة.

لم يكن أختيار الوقت مسألة عرضية أو عابرة.. وقد نسأل بكم سبقت قصيدته "جبة الدرويش" موعد رحيله..؟ ربما كانت هناك بضع سنوات.. ترى هل كانت هذه الصورة المرعبة.. شبح النار.. رائحة شواء جسده.. فرار طيور الكلمات من شجرته قد عاشت في مخيلته كل هذا الوقت...؟

 طه.. أيها الرائي.. أعذرني إن أزحت كل نظريات النقد ومناهجه وفرضياته بعيداً عن مملكة قصائدك.. لا أريد هذه النظريات والمناهج والفرضيات أن تتطفل على تجربة مدهشة في براءتها وعذريتها وعفويتها. لم تكن آبهاً بمدارس الشعر.. ولا بسجالاته.. ولا بتقسيمات أجياله.. بل وحتى لم تكن آبهاً بأي مجد أو شهرة تنالها من خلال تهافتك على نشر نصوصك.. كنت تعتبرها جزءاً من مقتنياتك الثمينة والأثيرة لديك.. لذا أبتعدت بها عن كل مصلحة.. لم تساوم عليها.. لم تعرضها للفرجة.. لم تسمح لأي متطفل على الشعر والإبداع والخلق أن ينظر أليك من وراء زجاج نظارته العمياء ليملي عليك دروسه الرديئة في تعليم الشعر.. كنت تعرف أن الشعر ليس درساً تعليمياً، لا يوجد في العالم معلم أسمه معلم الشعر، لقد أدركت ومن أول قصيدة كتبتها أن الشعر هو معلم هذا الكون منذ بدء الخليقة وحتى آخر قصيدة كتبتها "فدعة" أو "السياب" أو "بابلو نيرودا" أو "لوركا". هكذا كنت "يا طه" درويشاً يرتدي جبة الصوفي.. ويسير بها بعيداً عن الزحام حتى لا يلحق بها التلوث.. أو يصيبها رذاذ من المياه الثقيلة التي تخبطها عجلات السيارات المسرعة إلى حيث لا أتجاه.

نادرة هي النصوص التي عرضتها عليَّ رغم أنني كنت قريباً منك قرب أولئك الرجال الضاحكين.. قلت لك ذات مرة.. أنت رائد قصيدة النثر في العراق..

نعم كانت قصيدة النثر التي يكتبها طه فريدة من نوعها.. ففي الوقت الذي كانت قصيدة النثر وعلى يد بعض الشعراء الذين يكتبونها لا تعدو عن كونها لعبة شكلية داخل اللغة.. بعد أن تم عزلها عن مكونها التجريبي والوجداني.. كنت أنت تسير بعيداً في قصيدتك عن ذلك السرب الذي ظلَّ الطريق.. كانت قصيدتك هماً يومياً.. اللغة فيها حرة طليقة كما هي خصلات شعرك التي تهتز بكل حرية أمام نسمات الليل والنهار.. لقد كانت قصيدة يومية بكل مواصفات هذه القصيدة البسيطة كسحنة الناس البسطاء الذين تناولتهم من أمثال "حليمة" التي كان يجد نفسه ضعيفاً أمام "أن أبقي حليمة على ما هي عليه".

وكم هو ضعيف أمام الحياة التي يخاطبها بضراعة وألم وكأنها إمرأة أسمها الحياة.. فلم يقل أيتها الحياة.. لقد بدأ خطابه بلا إشارة .. بلا أل التعريف.. فقط أستخدم أداة النداء.. النداء الذي هو صرخة داخلية موجعة رغم خطابه المباشر.. والنبرة العالية في النداء.. إنها طفولة القصيدة.. أو ليس القصيدة الحقيقية هي طفل يلهو ويعبث بكل شئ بما فيها ممتلكاته الشخصية.. ويبعثر رؤاه وأخيلته التي تجاوزت حدود الزمن الضيق.. من هنا كان نداء طه وهو يتوجه به إلى الحياة هذه الفكرة التي تفعل بنا ما لم يفعله ما هو مجسد ومعروف وواضح.. فهل أتخذت أدواتها التخريبية على غرار صفاتها الرديئة المجردة من التعريف..؟

" يا حياة

شزراً أنظر أليك

وأنت تبعثرين أوراقي

أوراقي الأثيرة.. واحدة تلو الأخرى

.......

كيف بودي أن أوقف عدك اللعين

هذا العد النازل الباهظ

من رياض إلى هاشم ومن موسى إلى أبو نبيل

ومن حسين إلى حسنة مايع.....

 أشخاص بسطاء ودودون طيبون كبساطة وطيبة الشاعر.. لذا أتخذهم مادة قصيدته.. ومن هنا حقق دراميتها وتراجيديتها من دون أن يكلف نفسه عناء ما تجشمه "هوميروس" للبحث عن أبطال خارقين حتى يحقق تراجيدية "الالياذة" و "الأوديسة".. أو ليست حليمة ورياض وهاشم وحسين وحسنة مايع الذين لا أحد غير الشاعر ومن هم على مقربة منه يعرفون شيئاً عن هؤلاء الأشخاص الذين حولتهم مخيلة الشاعر وحسه المبدع إلى أشخاص أسطوريين.. ونماذج ملحمية لا لشئ إلا لأنهم عاشوا وأسسوا الحياة التي كان يحلم بها الشاعر.. الحياة الحرة البسيطة الوادعة.. الخالية من كل ما يكدر ويوجع.. والتي تبلغ أقصى متعة فيها أن يحصل أصحابها على رغيف الخبز وقدح الشاي ولفافة التبغ والصحبة الطيبة.. والنوم ملئ العين والقلب..؟

*       *       *

ويحط المساء الأخير فوق جبهة "طه"... المساء الذي يطرق الأبواب جميعاً كمتسول جائع.. إنه المساء اليتيم.. الذي سوف لن يحط مرة أخرى على الشجرة التي طالما وقف طه قريباً منها وأصغى إلى أصوات طائر "الوقواق" الوحيد الذي أخذته أغفاءة آخر الليل.. فغادره السرب الذي كان يشاركه منزله ذا الأغصان الطرية.. والأوراق المنداة.. ذات الرائحة الشبيهة برائحة "فوطة حليمة" التي تعبق خيوطها الكحلية نسائم المحبة وأريج حبات الهيل والمحلب والسعد الذي حملته معها من شواطئ "أبو بشوت" وحافات منخفض "أم الغاق" عندما تكون في طريقها لزيارة مملكة طفولتها عند قرية "السنية".

هذه المرة لم يكن المساء هو ذات المساء الذي عرف "طه" عبير صداقته منذ بدء أمطار نجوم أحلامه الذهبية.. إنه مساء المتضادات، فهو عميق في فيضانات ألوانه الشفافة.. وحزين كثوب حداد.. و "طه" الذي كان يهب لملاقاته مرحاً كعصفور إستحم في غدير.. ضاحكاً كطفل إستسلم لمداعبة أصابع الأم.. هذه المرة كان يسحب قدميه الثقيلتين.. وكأن حجراً هائلاً قد ربطه بكل منهما، لقد كانت ذروة إبداعية مدهشة هذه التي تتناغم في حركة أعماق الشاعر.. هذه الأعماق التي أسست مأتم رحيلها.. وسرادقاته من خلال مفارقات ترتفع بالشعر إلى قمته الناصعة.. عبر هذه التضادات التي لا تتوفر إلا إلى شاعر تشكل جلُّ عالمه من حقل هائل من العتمة والضوء.. السنابل الملأى بالحب.. وإبر الأشواك السامة.. الكتلة الثقيلة كناقلة بترول.. والخفيفة كورقة تلهو بها الريح.

 إنني عائد هذا المساء العميق

مساء الحزن الذي طرق الأبواب مبكراً

أجر نفسي

تارة كناقلة للبترول كبيرة

وأخرى ورقة على الشارع يطيرها الهواء

ولكن..

ها قد أنقضت ليلة أخرى ...

إنها ليلتك الأخيرة "يا طه" الليلة التي لن تطرق الأبواب ثانية.. لقد كنت غنيمتها التي بحثت عنك طويلاً.. وها هي تمسك بك بكل لزوجة ظلامها وعتمتها التي تشبه لزوجة "أخطبوط" أمسك بفريسته..

ولكن هل أستطاعت تلك الليلة أن تسرقك منا وتسلمك للغياب.. ربما تمكنت من الاستحواذ على جسدك المدمى.. والراشح بالألم والصراخ والندب.. ولكنها لم تستطع أن تستل نسيم روحك العذب من أحداقنا، وها أنت أيها "السيد المسيح" يا من جعلت من النار صليبك ومساميرك وحبالك.. تقوم من موتك ثانية.. نازعاً عن جسدك وروحك أردية النار.. لتتجول بين الأماكن التي كانت ترتادها "حليمة" تطوف على بيوت أولئك "الرجال الضاحكين الذين ينتزعون لياليهم ليلة بعد أخرى".. تقف قبالة رياض وهاشم وموسى وأبو نبيل، وحسين وحسنة مايع.. ثم تيمم وجهك شطر المنافي البعيدة.. مفرداً جناحيك المنسوجين من الرؤى والأحلام وريش المحبة.. لتجالس كل أحبتك الذين فرقتهم رياح السموم المحرقة.. وبأبتسامتك الشبيهة بابتسامة الأولياء والدراويش.. تضئ ليلهم.. ليل الغرباء الطويل، من خلال عناقيد كلماتك التي تجلس ألينا نحن الذين نقف عند التخوم القصية من هذا العالم الذي أسلم زيتونة جسدك إلى محرقته المروعة.

 
 

الصفحة الرئيسية | قصائده | قصصه القصيرة | سيرة الشاعر | الشاعر رساماً | كتبوا عن الشاعر | سيناريو
جميع الحقوق محفوظة © 2006                                                                         hosted & designed by: The Red Elephant