هو الذي أستطاع أن ينام

     

 

 

أبتسام يوسف الطاهرأبتسام يوسف الطاهر

"ماذا أقول لكم في هذا الليل

أنا المخطئ دوما

أنا قبلة غير مؤكدة في خاطر هرم

وطفل بحاجة لمن يربت على كتفه كل يوم

أنا الذي استطاع أن ينام حتى الصباح ..." (1)

يداي تلوحان مشلولتين على البعد، وقد أتعبهما الانتظار، بأنتظار يديك تربتان على كتفي وأنا الطفلة التي عودتها أن تبكي على كتفيك.

 (يا فراقاً هو أقسى من الموت نفسه... وأغرب)*

اي حكمة غريبة هذه التي حرمتنا حتى الوداع ؟ (الدنيا دار فناء إن عجلت فيها فجعت بفقد نفسك، إن أجلت فيها فجعت بفقد من تحب)(2). إذاً هو ثمن الحياة.. ثمن العيش فكل شئ بثمن، فما دمنا نعيش لا بد أن نر أحبتنا يخدعوننا ويفرون من بين أيدينا ونحن عاجزون.

رحل الشاعر.. والشعراء يرحلون مبكرا، رحل الشاعر الجميل "طه الطاهر" مبكراً مستعجل الرحيل وقد أتعبه الأنتظار، ومثله يسبق الشعراء، ومن يملك ذلك الحس الإنساني المرهف وقد كان ينبوعاً متدفقاً من العواطف والحب.. رحل تاركاً قصائده وقصصه وذكريات ترافقنا بقية الدرب، تمنحنا الحب والصبر والأمل.. نحن الذين بخلنا عليه وحرمناه من اللقاء، ومثله لا يحتمل ذلك العبء القاسين القاسي جداً من الإحباط السياسي والحياتي، والحصار الذي أرادوا به لمثل أناسنا هؤلاء.. لكنهم رغم ذلك يواصلون الحياة، فرغم كل تلك العذابات التي زادها المرض أضعافاً واصل شاعرنا الكتابة:

"نحن هنا في مد وجزر دائم سواء ما يخص الكتابة أو القراءة .. حتى بو عرفتم مقدار ما نحن فيه من بلادة تامة لكثرة مصادر الرعب.. ولإنشغالنا المهين بالتفكير بالبطاطا والخبز والسوق..! والتي لم يخطر على بالنا يوماً أن هذا سيكون همنا الدائم والمميت.. بالرغم من ذلك فأني أكتب أو أقرأ .. وفجأة أنقطع بسبب الإحساس بلا جدوى ذلك.. لكن التعود هو الذي يرجعني..."(3)

 توجه في الفترة الأخيرة لكتابة القصة القصيرة وفاء للناس الذين ألتقاهم ومنحوا الحياة معنى.. الناس الطيبين الذين لم يعبأوا بالأضواء، الزاهدين.. وسمى تلك المحاولات بـ "صناعة تمثيل أو نصب متواضعة" كما يقول عنها، لكن الزمن لم يمهله ليكملها ولم يمهله ليراها بعيون القراء.. لتباطئنا ولتردي اعلامنا في كل مكان.

واصل الكتابة مستلهما حكايا والدته وروح الأمل العالية لديها، يواصل متحدياً اليأس والخيبة والإحباط.

"بينما الجموع تركض.. ركضة الهم

بينما الأماني تبتعد والأمل تمسح به الأرض

بينما الوجوه تباع مع العيون والملابس المتسخة

والأجساد تعرى رويداً رويداً

بينما السياط تلهب الضمائر والظهور

هناك شلة من الرجال الضاحكين

مرفوعي الرأس

يتحلقون بين ليلة وأخرى

حول مائدة عامرة" (3)

------------------------------

(1) - (3): مقاطع من قصيدة لطه الطاهر
(2): قول مأثور للإمام علي
*: مقتطفات من رسائل الشاعر

 
 
 

الصفحة الرئيسية | قصائده | قصصه القصيرة | سيرة الشاعر | الشاعر رساماً | كتبوا عن الشاعر | سيناريو
جميع الحقوق محفوظة © 2006                                                                         hosted & designed by: The Red Elephant