الحياة إنتحار ضد الموت

     

 

 

جمال علي الحلاقجمال الحلاق
قراءة في تجربة وجودية متفردة

لابد أن أحييكم في هدأة الليل هذي
الساعة تشير إلى الثانية والربع
وحيداً في غرفتي المفتوحة نوافذها
غامضاً رغم البرد والمطر الخفيف
جزعاً ومتسخاً بالدخان والمدفأة
والدهشة بأني أتجنب الكتابة لكم
سأحرق نفسي
وأكون أنت.. بلحمي
بدمي بلباسي الأنيق هذا
ساعة الصفر
من الضروري جداً أن تحدد الذات نهايتها، فبهذه الطريقة -وحدها- يتخلص الإنسان من حيوانيته. تحديد شكل الموت وأوانه عمل إنساني بحت، وأعتقد إن الإنسان القادم سيقترب من هذا الإتجاه تحديداً. هذا ليس بحثاً في الشعر، بقدر ما هو بحث في التجربة الوجودية، لذات أمتلكت قدرة التخطيط لنهايتها، وظلت تراقبها طيلة وجودها في العالم. تجربة من هذا النوع تفتح باب السؤال الوجودي مرة أخرى. كيف تواصل الذات بقاءها وقد أقترحت نهايتها؟ بعض الخطى تحدد الخاتمة، ويمكن بنفاذ رؤية أن ترى بعض الذوات نهايتها، كما في تجربة الحلاج مثلاً: على دين الصليب يكون موتي.
وأعتقد أن أستيعاب العقلية المحيطة يمنح الذات النافرة أن ترى حتى شكل نهايتها. فالمرأة النافرة في مجتمع ذكوري تبقى محاطة بغسل العار. ويبقى الخارج على الدين مهدور الدم، والهارب من ساحة الحرب يتوقع الإعدام في أية لحظو. كل هذا ممكن لكن ما أريد البحث فيه يختلف عن ذلك تماماً، أنه التخطيط الواعي لنهاية ذاتية بحتة، همذا تحدد الذات نهايتها، لكنها لا تباشرها فوراً، تتمهل، ليس خوفاً، وإنما لتستمتع برؤية نهايتها تتجلى أمامها دائماً، وبزوايا مختلفة. الإستمتاع بالنهاية المخطط لها، والبقاء فقط من أجل إحتواء رؤية النهاية بكل تفاصيلها تماماً كمن يحمل رصاصة في جيبه، ستكون بذرة في رأسه في لحظة قادمة هو يحددها، فتكون فترة وجود الرصاصة في الجيب كما لو أنها فسحة لرؤية الخاتمة بشهوة عارمة. بأكثر من زاوية، وبتفاصيل أكثر دقة، كما لو أنها تمرين في إنتاج الخاتمة بدقة كاملة الدسم. ربما كان هذا مدخلاً لقراءة تجربة ذاتية أمتلكت جرأة إتخاذ قرار النهاية بإرادة واعية. كما لو أنها كانت تجسيداً لصرخة إدغار الان بو "قاتلاً نفسي أرى الميناء خلف الهاوية". حين يكون الخلاص هناك في ما وراس الحياة، لكن ليس بالمفهوم الديني الآخروي. فالتجربة هنا اجتراح آخر لمفهوم ما وراء الموت، إنها البحث عن الحياة التي لا علاقة لها بالحياة، والتي قد تكون شكلاً آخر له. فالموت ليس نهاية بالضرورة، هكذا يكون الموت نافذة آخرى، أو حياة أخرى في الحيا، كالإقامة في الحياة بعيداً عنها، ومن زاوية ما قد تكون الحياة بحد ذاتها رسالة إنتحار. فالموت الذي يقف هناك في نهاية الممر والذي يمر تفاصيلنا الدقيقة، كما لو أنه الدم الذي يتسكع في حياتنا، ونصرّ رغم دخوله فينا على تجاهله كما لو أنه غير موجود. كما لو أن الحياة إلى الأبد جاثمة فينا، هذا العناد الذي ورثناه عن أقرب أجدادنا صلة بالثيران. هو الذي يجعل خطواتنا تبدو على هذا النحو من الفنطازية، هكذا تبدو الحياة إنتحاراً ضد الموت! وإلا ماذا نسمي هذا الشعور بالنقص الذي جيعل الحياة على ما هي عليه ليست أهلاً لأن تعاش؟ لقد كانت تجربة طه الطاهر تحديداً في هذه النقطة من الجدل مع الذات. ممارسة الحياة على إعتبارها إنتحاراً، وفي نفس الوقت التأقلم مع هذا الإنتحار، كما لو أنه شعلة من ضوء، وكما لو أن الذات فراشة، تطوف حول الضوء، وتتعبد لإنتحارها القادم.
أتجنّب نفسي
وأمشي على الحافة
مثلما أتجنب النار
تجنّب النفس هنا هو تجنب الوقوع في حياة خارج الحياة، كما لو أن العمر حافة حادة، بين الذات وتوهجها، غير أن الحياة هناك خارج الحياة تماماً، وهنا تنمو إشكالية التردد، التي تمنح الذات قدرة تأمل نهايتها من زوايا كثيرة.
خيول العربة الذهبية الصاعدة
هو أسمي ذلك الذي يبتعد
والويل لي
إن متّ بغير هذا العشق
لقد ترك جسده وقوداً لخيول من ذهب تتصاعد، ينبغي أن أثبت هنا أن طه الطاهر مات إحتراقاً بالنار في بغداد شتاء عام 1998. الكشف الذي تحقق هنا هو أن النهاية وحدها تمتلك تحديد الأسم، لقد كان بين الآخرين وفيهم. لكنه لم يكن في أسمه، الذي لم يتحقق إلا في لحظة الإتحاد القصوى بالذات. لقد أومأ لأسمه هنا لكنه ظلّ متردداً إلى لحظة الجلّ، فليس من السهولة إتخاذ قرار بهذه الشراسة، وهذه دلالة صارخة لخطورة الإقتراب من الذات، خصوصاً في مجتمع قائم على نكرانها، لم يترك للآخرين أن يهدروا دم، ظلّ ودوداً إلى النهاية، لكنه عندها تحديداً صفع الآخرين جميعاً، وحقق أسمه الأكثر إلتصاقاً بذاته. لقد أدرك منذ وقت مبكر أن النهاية، نهايته الخاصة، تخصه وحده، وأن العربة التي تصعد كاللهب، لا تتسع لأكثر من ذاته، من هنا كان أصل تردده، كما لو أن البقاء ضرب من تقليم الذات، تهذيبها من كل عشق سواها، لذا قال:
والويل لي
إن متّ بغير هذا العشق
ظلّ يدور حول نهايته الخاصة جداً، يتأمل قيامة الذات من جهات كثيرة، بدأ يتلذذ بها، أصبحت الحياة لديه نافذة للتمتع بالموت. شيء من التصوّف لكن خارج مفاهيم الصوفية.
لو لم يكن المساء شريط اللهب الطموح
وهو ينسلّ من روحي
لو لم يكن لحظة
موقداً بعيداً خالداً يومض في رأسي
المسافة ليست بعيدة بين عربة الخيول الذهبية، وبين شريط اللهب الطموح، كما أن الأخيرة تكشف وضوح الرؤية للحظة مؤجلة، فاللهب الطموح يسنلّ من روحي، أنها الروح لا الجسد، حطب النار، هكذا يحمل نهايته المقررة معه، نهايته تقيم في رأسه، وهو يقيم خارجها يستمتع بالتحقق أخيراً.. الإحتراق بألم.. لكن لماذا النار؟ هل كانت معادلاً موضوعياً لأمه التي قال فيها: "يا حضناً مزمناً"؟ للموقد صلة بالطفولة، حبل سري يصل الأيام الأولى بالخاتمة "موقداً بعيداً خالدا" هل يقصد أمه تحديداً؟ إن كانت هذه القراءة صادقة فإن البرد لن يكون إلا رمزاً للحياة التي تخلو من الحياة:
"يا موقدي والبرد بالباب" كما لو أنه يقول يا أمي-والحياة، الآخرون- بالباب. هو ليس قريباً إلى من أمه التي تلتصق بذاته، تلتصق بسؤاله الشرس، لماذا أنا في الحياة؟ لقد كانت الأم نافذة للحوار مع العالم، إلا أن رحيل النافذة قطع الحبل السري للحوار.
رحيل النافذة جعل "الخيول الذهبية" قريبة جداً، لقد تحول العالم إلى برد مطبق، وأصبح عالياً ضد حياة بلا حياة، لذا خرج منها إلى جسده، الذي بدأ ينتفخ بأورام غامضة. إنها أنتفاخات السؤال التي تنمو دمامل حول عنق الجدوى. كلما تصاعد برد العالم توهجت النار، بدأت نهايته تتجلى أمام عينيه ويراها ويقترب:
ماذا أقول لكم
أنا الذي تتنفسونه ذات يوم
دخاناً يتصاعد للأعالي
وناراً تتلوى
الطفولة- الأم، الحضن- النار، ترتفع حدة الجدل الذاتي، حوار باطني بين الذات وصيرورتها، الجدوى التي تتجمد الحياة في عروقها، كما لو أنها تجربة أبي العلاء مرة أخرى. تصبح الحياة ضرباً من لزوم ما يلزم. وإذا ما أنتظر أبو العلاء نهايته فإن طه الطاهر تقدم نحوها ضارباً بعرض الحائط أمه لا تزال تنظر للإنتحار بعين غبية.
مذا؟
سأحرق نفسي
وأكون أنا .. بلحمي
بدمي، بلباسي الأنيق هذا
ساعة الصفر
أصبحت النار هنا باباً للرحم، إنه يعود إلى بدايته الأولى، محاولة في بدء علاقة جديدة مع الأم-النافذة. محاولة في إدامة الحوار، خلق معنى جديد للحياة، ذاك أن الحياة ليست كلّ شيء بهذي الحياة، وهذه إجابة لسؤال رمى به توفيق صايغ عقولاً متحجرة. هذا ضرب من صوفية وجودية، تحقق الذات حياتها في الآخرين، لكن خارج الجسد، كما او أن الجسد حاجزاً بين الذات وممارسة كينونتها القصوى، إنها تجربة المتنبي أيضاً في:
وإني لمن قوم كأن نفوسهم
                             بها أنف أن تسكن اللحم والعظما
إلا أن التجربة عند طه الطاهر أرتفعت إلى أن الجسد عائق أمام تحقق الذات، ليس فقط لمحدوديته، وإنما أيضاً لوقوعه في العالم كما هو في عقلية الآخرين. الجسد هنا لا يحقق التفرّد التام، ولهذا تحديداً كان الأسم الحقيقي للذات يتحقق لحظة إنفصالها: "هو أسمي ذلك الذي يبتعد".

 
 

الصفحة الرئيسية | قصائده | قصصه القصيرة | سيرة الشاعر | الشاعر رساماً | كتبوا عن الشاعر | سيناريو
جميع الحقوق محفوظة © 2006                                                                         hosted & designed by: The Red Elephant