إعتذار... متأخر جداً

     

 

 

صورة لغلاف كتاب جبة الدرويش شعر وقصص - أعمال لم تكتمل للشاعر طه الطاهرأبتسام يوسف الطاهر

هل يعني شيئاً اليوم طباعة كتاب؟ وقد صار طبع كتاب بالنسبة للبعض كشراء قميص، أو ربطة عنق، بل أن البعض يكتفي بالتوقيع على مسودة الكتاب المجهز قبل تسليمه لدار الطبع، التي لم يعد يعنيها ماهيّة الكتاب بقدر ما يعنيها شهرة صاحبه، أو ما سيدفعه لهم.. خاصة في زمننا هذا، زمن التردي والأنانية وتبرير الخيانة.
ولكن هاجس الكاتب الحقيقي، هل يعنيه أن تقرأ كلماته؟ أو يسمع تعليقاً أو نقداً لما كتب؟ هل يسعى الرسام أن يرى الآخرون عمله، أو هل يعني المغني أن يسمعه العشرات، هل يلتمس الموجوع أن نسمع صرخته؟
كما هو مفرح ومهم بالنسبة للرسام أن يرى لوحته تتحول إلى لوحات وموضوع إلى مواضيع بعيون المشاهدين، كل حسب ثقافته التشكيلية، كما هو مفرح للمغني وهو يرى أن جموعاً تردد أغانيه، فالكاتب أو الشاعر بالذات يهمه ثمة أذاناً محبة تسمع قصائده وعيوناً تقرأ كلماته. والكتابة أحياناً هي صرخة الشاعر أو الكاتب، والصرخة للموجوع هي وسيلة لدفاعه عن نفسه وسيلة تفرضها غريزة حب البقاء، صرخة يريد بها أن تصل لقلوب ملتاعة تمده بالأمل والحياة.
ولكن هل تعني الصرخة شيءاً في صحراء؟ تردد صداها رمال تذروها الريح وتبعثرها، إذن كم هو موجع أن تكون بين جموع تحسب أن بينهم أصدقاء وتصرخ ولا تجد إلتفاتة أو أي صدى لتلك الصرخة.
كم هو موحش أن لا يصل صوتك لمن تريد إلا بعد أن وصل النصل الأعماق. مع ذلك وصلتنا نداءات الشاعر، وصلتنا رسائلاً وبعض من قصائده وقصصه:
"أعينوني يا أهل الكهف
أنه طرق يوميٌ لا ينقطع"
ولكننا غفلنا عن قراءة ما بين السطور. كان الشاعر طه الطاهر زاهداً بكل شيء، زاهداً ولكنه ليس بخيلاً على أصدقاءه مكتفياً بهم يسمعون قصائده ويعلقون عليها.. لكننا تأملنا بأكثر لعلنا ننشرها لتكن في متناول الجميع، وهو الذي كان لابد لإسمه أن يكون ذا شأن بين الشعراء والكتاب.
كان شاعراً بسلوكه، بحبه للناس، بتواضعه، بكبريائه، وبعطفه ومنحه كل الحب لمأم الشاعر طه الطاهر بعدسته نهاية السبعينياتن يحتاج، الحب الذي هو لم يحظ به. فشعر بالأذى والخيبة وساحته تقفر برحيل المحبين أولهم رحيل الذاكرة الثرّة التي تغذى من ينبوعها الغزير كل مراحل عمره، رحيل منبع الحب والحنان والدة الشاعر، التي كانت له أماً وأباً وأختاً وصديقة... وراوية مبدعة تهدهده بقصصها وأشعارها الشيقة.
ومن ثم رحيل أخويه.. الواحد تلو الآخر، ورحيل أصدقائه وأحبته سواء في غربتهم أو في أقبية السجون التي تكاثرت إنشطارياً في العقود الأخيرة. رحيل جسور وشوارع العراق، إختفاء الأمل من العيون، وإنتعاشة اليأس والخوف بالقلوب.. رأى العراق الذي أحبه حد الجنون ورفض أن تطأ قدماه غير تراب العراق، رأى العراق... رماداً، والناس ما عادت كما السابق.
"أواه لابد أن أكتب لكم.. وكيف؟
أنا المتسول دائماً..
أكتب لكم
عنا، وعنا جميعاً.. عن العراق
وحصراً عندما يكون الحديث عن العراق
عراق النخيل والبردي
عراق المياه والأنهر
عراق المدينة الآسنة
بقوانينها المتواضعة
بمثقفيها.. بشعرائها"
كان قد وعدنا بإرسال قصصاً وقصائداً أخرى أنجزها بأوقات متفاوتة، ولكن صمتنا أو ربما غباءنا في الإنتظار وترقب الآتي، أو ربما أنانية البعض منا هي التي ساهمت مع المرض اللعين الذي أستفحل مستغلاً ما مر به من إحباط وهو يرى حالة التردي التي شملت كل جزء من جسد العراق. كل ذلك ساهم في زرع اليأس وتأجج حالة الإحباط في روحه الشفافة.
وحين لم يصله الصوت الذي إنتظر، ولم نزحف للوصول إليه، لم نركب الأهوال لعناقه لحمل بعض الأثقال عنه. ملّ الإنتظار، وإنتظرنا طويلاً...
"عشرون عاماً، أي قدر أحمق ذاك..."
إنزوى مهموماً بقصائده وجراحه لوحده، فكان الألم يعتصره ويجفف ينابيع الأمل فيه، رافضاً حتى زيارة الطبيب لألا يكتشف محبيه سر ذلك الألم ويتعذبوا معه. بقينا نحن نجتر الحنين والآلام في الحانات عاجزين حتى عن كلمة تبل بعض ما جف من العروق.
فكأني به يهز يده ساخراً ملوحاً من بعيد، وأبتسامة ساخرة على شفتيه، وفي عينيه دموع خيبة تتفاقم، ثقل الحمل، ولم يعد جسده الناحل يحتمل، رحل مبكراً معلناً إحتجاجه على شراسة الحياة.
رحل بلا كلمة وداع.. محاولاً أن يأخذ ما كتبه في الأيام الأخيرة، حتى اللوحات التي رسمها، وقد أنجز لوحات جميلة، قياساً للكذب الذي نراه اليوم. هل نستطيع أن نعتذر له بعد فوات الأوان؟ لعله يسمعنا، ويعذرنا!
بالرغم من الإحباط واللوعة والصور الكآبية التي نراها في معظم قصائده وقصصه، لكن هناك خيط طرافة ساخرة في بعض القصص كما في (الشوكة) وفي (الأمر الذي حدث وغير عادتي السيئة) والتي يسخر فيها من أؤلئك الثرثارين الأدعياء، الذين ما أن يدخلوا بموضوع حتى يتشعبوا بمواضيع أخرى غالباً ما تكون مبتورة لا علاقة لها بالسابقة، بل أحياناً ينسوا الموضواع الذي بدأوا فيه. هذه القصة بالذات تعطينا فكرة عن قدرة الكاتب على الصبر والدخول في عالم قصته بشكل متأنٍ ومتقن، خاصة لو عرفنا أن الشاعر طه الطاهر، كان مميزاً بصمته وتأمله، وإصغائه للكل بصبر وأحتمال. كان يتأمل الكل وهم "يخوطوا بأحاديث لا معنى لها!".
أما قصصه الأخرى خاصة تلك التي سماها، أو أعتبرها "صناعة تماثيل" وقد أبدع في صناعة تلك التماثيل لشخوص حقيقية إعتز بها، شخوص عراقية بما يكنه للعراق من محبة وطيبة، وكأنه أراد أن يرد على أولئك الذين أستغلوا ظرف العراق، وقد تكالبت عليه كل الأحقاد، فصاروا يسنّوا سكاكينهم لينهشوا من الإنسان العراقي ويشوّهوا صورته حسب ما أملته وتمليه عليهم نوازع الحقد والأنانية أو الأرباح الدنيئة التي يحققوها من وراء ذلك. فجائت معظم تلك القصص لتنقل صورة العراقي الحقيقي الذي حاولت أجهزة الإعلام تلك ومن يطبل ورائهم من العراب والغرب، وحتى من العراقيين الذين لا نملك أن نقول عنهم سوى وصوليين أو إنتهازيين. بل حتى من اللذين لبسوا قناع (الإعتراض) من الذين لم يخرجوا سوى لإستكمال البحث عن منافع صغيرة تدل على ما في نفوسهم. كل هؤلاء حاولوا تشويه صورة الإنسان العراقي، ولكنهم لم، ولن يفلحوا ما دام في العراق طيبة وأخلاص، وسمو من التي لدى شاعرنا طه الطاهر. فقصة (حبشان في كاني ماران) أثارت كل مشاعر الإعتزاز بالعراقي العربي والكردي، وقد عرف عن الشاعر أهتمامه وعلاقته الطيبة بالأخوة الأكراد، فقد أقام معرضاً للوحاته التي رسمها في أربيل حيث أشتغل بضعة أعوام هناك، وضمنها أبيات باللغة الكردية التي تعلم القليل منها، مما أثار إعجاب الناس هناك وتغيير وجهة نظر المثقفين منهم خاصة حول رؤية العربي لهم. القصة تلك تعطينا فكرة جميلة وصادقة عن العسكري العراقي، الذي حاولت السلطة تشويهه ومسخ شخصيته، لكن نموذج العسكري الذي رفض معاقبة حبشان رغم عصيانه الأوامر العسكرية، بل حياه على موقفه الشجاع بأن "قبلّه". لقد بكيت حين قرأتها، وقد تذكرت كيف كنا ننظر لضباطنا، وكيف قرأنا الأكاذيب التي أختلقت عن الجندي العراقي.
كنت ومنذ اللحظة الأولى التي أستلمت بها المواد وبشكل عاطفي أخذت عهداً أن أطبعها بنفسي وأن كنت لا أجيد الطبع، وبدأت بها بإنتظار ما وعدنا به، وهذا كان أحد أسباب ذلك التأخير الغير منطقي. بعد رحيله حاولت أن أتم ما بدأت به، فكنت أعيش معه حواراً حُرمت منه أو أسأل ما تمنيت بلا جواب. بل صرت أتباطأ لأطيل مدى الحوار لأتأمل ما بين السطور وما لم أراه من قبل، لأعيش فجيعة فراقه مع كل سطر وكل فقرة.
وما كنت سأقدر على تتمة الكتاب لولا مساعدة الأحبة والأصدقاء، وخاصة الشاعر كريم النجار الذي راجع وطبع أغلب النصوص، كذلك الأخت نضال (أم فرات) التي طبعت بعض القصص. كذلك أكرم بريش الذي صحح النصوص الشعرية والأستاذ جمال أثناسيوس الذي أشرف على ترتيب الصفحات على الكمبيوتر. وشكر خاص للأستاذ د. أبراهيم درويش من أسرة القدس العربي على ملاحظاته القيمة جداً.

أيها الشاعر الطاهر الجميل، لم ترحل عنا، أنت فينا في كل كلمة نقرأها في قصصك وقصائدك، ورسائلك الوفية للعراق الذي أحببت وتمنيت، لعلنا نقرأها يوماً بلا دموع، لعلنا نتعلم منها الحب، والكلمة الطيبة الوفية. عسى أن نتعلم من حروفك كيف نزرع الأمل في عراق تسوده المحبة والأخوة والسلام، عراق خال من "الزغل" ودغل اللئام.

 

 
 

الصفحة الرئيسية | قصائده | قصصه القصيرة | سيرة الشاعر | الشاعر رساماً | كتبوا عن الشاعر | سيناريو
جميع الحقوق محفوظة © 2006                                                                         hosted & designed by: The Red Elephant