صانع تماثيل الخلود

     

 

 

كريم النجاركريم النجار

تجعل مني مهابة الكتابة عن الشاعر والإنسان المرهف حد الجنون طه الطاهر بمثابة المهرج بعد إنفضاض الحفل، فلا هو قادر على تجميع الجمهور مرة أخرى، وغير قادر على أداء حركاته البهلوانية بعد الإجهاد وتقديم كل ما لديه.

لا شك أن المغامرة بالكتابة عن أديب وتقييم نتاجه وسيرته بعد رحيله الجسدي عن عالمنا هذا، تواجه من يتصدى لها صعوبات ومهام جليلة في البحث والتقصي والإطلاع على كل ماخلفه من كتابات ومواقف وماكتب عنه.

 وتكون المهمة في غاية الصعوبة إذا علمنا أن هذا الأديب كان إشكالياً كبيرا في حياته، متصوفاً وزاهداً بكل شئ يخص نشر نتاجه عبر كتاب أو مجلة أو صحيفة ما، أو حتى إطلاع أصدقائه المقربين عليه، نتيجة خيبات متتالية هزت كيانه، منها ذاتية وسياسية، وموقف منه تجاه إرتداد الحال السياسي والثقافي وعدم ايمانه بكل مؤسسات النشر ودور الثقافة في البلد الذي لم يغادره بتاتاً والتي تحولت إلى مؤسسات رهيبة للتسطيح والتجهيل وتمجيد الطاغية، بل حتى لم يقرب أبداً من مهرجانات أوتجمعات أو مقاهي الشعراء والكتاب وأنديتهم الرسمية.

 كان يئنس لحلقة صغيرة من الأصدقاء يحملون هم السياسة والثقافة ويتحدثون بكل الأشياء وشتى المواضيع حد الخصام.. لكن رغم أونسه هذا ترى أحياناً.. خيوط الأسى تؤطر جبهته فيعتزل إلى نفسه لائذا بأحزانه المتراكمة.. حالماً بالغد الذي لم يأت، وبالاصدقاء الذين تناثروا بين بقاع الأرض دون خبر أو أمل بالرجوع. 

 ترجع علاقتي حد الانصهار بالطاهر منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، حيث كنا رفاق الخيبة والقلق اليومي والشعر، وضمن حلقة ضيقة من الأصدقاء الذين يتشابهون بالأفكار ويتخاصمون بالآراء.. كلما كنت أمعن النظر بخياله الخصب، واحيانا بمحاولاته للأنزواء وإبداء التعليقات اللاذعة المقتضبة على بعض المواقف التي تصدر عن هذا الصديق أو ذاك.. أكتشف فيه الروح الإبداعية الحية وإبتكار المواقف التي لا يقدر على مجاراتها أحد ما. فكان مجلسه عامرا بالشعر والقصص والفن، إضافة إلى صخب السياسة التي أكلت من أعمارنا وهمومنا الشئ الكثير.

 منذ شب على طور المراهقة أوائل الستينات تفتح وعيه السياسي متأثرا بأخيه الأكبر ربيب المثقفين ومربيه الشيوعي "يوسف الطاهر"، خياط حي الوشاش والنزيل الدائم في السجون منذ الحكم الملكي وحتى بعد العهد الجمهوري،  والذي كان دكانه مثابة مكان يلتقي فيه السياسي ورجل الدين والأديب والمثقف.

في محل أخيه هذا كان يراقب المتحدثين من جميع مشاربهم، ويحفظ الكثير من قصصهم وأشعارهم ومواقفهم والتي بقيت معه حتى رحيله الدراماتيكي الماساوي، فهو ذاكرة جمعية قلما تشاهد من يتشابه معها.. مما أثرى وأثر على نتاجه الأدبي والفني فيما بعد.

 وما قصصه التي عنونها بالتماثيل خير شاهد على وفائه لأولئك الأشخاص الذين عرشوا في ذاكرته كأبطال اسطوريين في خضم أوضاع متقلبة لا يترك الزمن منهم غير مواقفهم وقصصهم، فمن "حبشان" ذاك الرجل الجنوبي الوادع والبسيط الذي أجبر على الخدمة العسكرية على أرض الكرد.. ووقف موقفه الرجولي بعدم تنفيذ أوامر مرؤوسيه بقصف قرية وادعة آمنة.. هذا القرار الذي يؤدي بصاحبه للموت المؤكد، لكن رغم علم حبشان بما سيحمله عليه هذا القرار أصر وثبت عند موقفه ليؤكد إنسانية شريحة واسعة من الناس ورفضها حرب الأخوة والأهل.. عكس ما كان يسطره قصاصي السلطة عن أبطال وهميين لا تدخل نفوسهم الرحمة أو الرأفة. كما كتب عن ملا يوسف الخالدي.. الرجل الحكيم والشاعر المبصر بمواقفه ونوادره وطرائفه اللاذعة.. وتحيلنا قصة "الوحش كراز" إلى آلة الدمار "الحرب" التي عمت البلد بأكمله على مدى أجيال متلاحقة.. هذه الآلة الرهيبة التي يصورها طه الطاهر بماكنة الحفر العملاقة التي تمردت على سيدها وثرمت كل شئ يصادفها.. إحالة ذكية ومختزلة لما كان يحدث في العراق.. كان منشغلاً بالبحث عن أولئك الناس الذين أستوطنو ذاكرته مجلياً عنهم غبار الزمن والنسيان وناحتا إياهم تماثيل تغزوا بياض أوراقه لتنتصب بقاماتها وأساطيرها في ذاكرتنا أيضاً.   

 في سنوات لاحقة أخرى زاول فيها مهن عديدة ولم يستقر على احداها، مصورا شعاعيا في إحدى مستشفيات مدينة أربيل، صاحب محل لصنع وإبتكار لعب الأطفال من الخشب، محل في باب الشورجة ببغداد لبيع الملابس والالعاب، بائع أدوات سيارات في وقت لا يملك فيه أي نقود تفيض عن حاجة يومه أو تسد مصروف البيت والخمرة التي لم تفارقه.. عكس أقرانه الذين أغتنوا في زمن الحصار، لم يكن العمل بالنسبة له سوى الألتقاء مع الاصدقاء والآخرين لسد فراغ وقت روحه اللائبة.. دائم الحديث عن أصحابه الذين تشتتوا على دول متفرقة، وعن ذاك الشاعر والثوري "رياض البكري" صديقه المجنون بالثورة والحب الذي أعدمه النظام البعثي أواسط السبعينات ولم يحتمل حتى تسليم جثمانه لذويه.. يقرأ بغنائية آسرة قصائده التي يحفظها كأناشيد خالدة تأسر روحه وكيانه رفقة صوت مسعود عمارتلي وهو يتهادي كشعاع متكسر على صفحات الماء.. مسعود الذي يطربه دون سواه كونه صوتا مزيجا من  رخامة وعذوبة الأنثى وعفوية الأداء الرجولي وصفاء الجنوب ووداعة الحباري.

 أنظره سارحا أحيانا يلوذ بكلمات تختصم على شفتيه ولا يبوح بها.. وأحيانا أخرى تأخذه مقاطع من قصيدة لرامبو أو أراغون أو كامو أو السياب أوسعدي يوسف أو حاج زاير.. وتبقى شاغلته طوال اليوم حتى تعتعة الخمرة آخر الليل..

 في إحدى المرات أقترح علينا أن يساهم أحدنا كل لقاء بمحاضرة أو بحث في الشعر أو الرسم أو الفولكلور أو السينما والمسرح أو أي شئ يستطيع الإبداع فيه، كان إقتراحا هاماً ومثمراً بدل العبث الذي كنا وسطه وهدر الوقت بأحاديث السياسة التي تقود دائما للخصام والعصبية والاختلاف.. رغم أن المياه تعود لمجاريها مساء اليوم التالي. وقد أبتدأ بنفسه بقراءة بحث شيق وفيه جهد استقصائي لظاهرة المطرب الريفي مسعود عمارتلي، جهد يليق بباحث مواظب رغم أنشغاله بشؤون حياته اليومية التي تتطلب منه العمل من الصباح حتى المساء لتوفير حاجة بيته وأطفاله الخمسة.. أستمرت هذه الندوة المتتالية مع الأصدقاء لفترة وجيزة حتى جاءت حرب غزو الكويت وما فعلته بتشتيت شلتنا الصغيرة تلك كما شتتت حلم العراقي بالاستقرار والسلام.. وعاد حديث السياسة وأوضاع البلد من جديد يتسرب إلى لقاءاتنا حيث كان أغلبنا هارباً من الحروب ومن الخدمة العسكرية الاجبارية ومغامرة الفكاك من أنياب رجال الأمن والجيش الشعبي وأعضاء حزب البعث.

في أحد الأيام دخل علينا وكان متجهماً لأن أحد الشباب في منطقته.. كان مهندس طيران متخرج حديث من الكلية العسكرية أنتحر شنقا في بيته، تحدث عن خلق هذا الشاب وطيبته.. وجرأته بإنهاء حياته بهذه الطريقة.. أحيانا كان يتحدث عن قرار الموت وكيف يكون سهلا وسريعا كإطلاقة مسدس في الرأس.. لم نكن نعبأ بما كان يخطط له ليقيننا أن طه كان حالماً كبيراً بأن الغد العراقي سوف يأتي.. لم نفكر جدياً بكم الأحزان التي داهمته سريعاً وتركت ندوبها التي لا تمحى في خياله.. موت الأم التي كان يتصورها خالدة للأبد وعصية على خذلانه.. تلاها موت الأخ والمعلم والضمير "يوسف" إهماله لنفسه وصحته التي تدهورت كثيرا وهدتها الأورام التي غزت قدميه ويديه ووجهه الجميل.. كان يقود نفسه لوليمة النار التي أكلت جسده وطهرت روحه اللائبة قبل أوان غد العراق الذي طال عليه.

 
 

الصفحة الرئيسية | قصائده | قصصه القصيرة | سيرة الشاعر | الشاعر رساماً | كتبوا عن الشاعر | سيناريو
جميع الحقوق محفوظة © 2006                                                                         hosted & designed by: The Red Elephant