يوم مشهود

     

 

 

لكل مدينة من مدن بلادي بل لكل بقعة من بقاع الارض الواسعة أيام وذكريات مشتركة غير عادية، وسواء كانت هذه الايام مدعاة للحزن او البطولة او غيرها من المشاعر فانها ايام لا يمكن نسيانها فكل المدن مثلا شهدت أيام الحروب والمجاعات والامراض والجفاف.. وتظل تلك الايام مثار الحديث على مر الزمن ومحفورة في الذاكره تقلبها الاجيال أثرا وتراثا والما وتاريخا.

ولكن لكل مدينة يوم خاص، يوم مشهود، مختلف عن كل ما يحدث في مدن أخرى، ولا يشبهه أي يوم في أي مكان.

وقد تتحدث مدينة عن عرس هائل لابن سيد من ساداتها، أو تتحدث مدينة اخرى عن  زيارة رجل مهم، ربما أخرى تتحدث عن فيضانها او حريقها، فانا ساتحدث عن يوم مدينتي.

ذلك اليوم الذي اراه مختلفا واثيرا وغريبا وغاليا لما ينطوي عليه من حزن وغصة.

مدينتي المتربعة بحياء على احدى ضفاف دجلة الحانية، بنخلاتها الباسقات وبيوتها البسيطة الوادعة كما تبدو على البعد.

كانت ضاجة وتزخر بسوقها القديم العامر المزدحم بمحلات الصاغة والقصابين ومحلات بيع الاقمشة، برائحتها برفوفها التي تعلو الى عنان السماء كما يقولون!

وإذ كانت مركزا تجاريا هاما لما يتميز به من موقعهاولما يحيط بهامن قرى لاحصر لها، كانت سفن الحمل البخارية رائحة غادية بتجار عِرْق السوس والحنطة والشعير.

ورغم ان هذه المدينة كريمة ومليئة بامور كثيرة، لكنها في نفس الوقت كانت شحيحة وتخلو من امور ضرورية اخرى، حيث كان فيها، كرديٌ، واحد ومجنون واحد، وكان الذي يثير الخوف واللايقين إن هؤلاء، الكردي والمجنون، كانا غير كاملي الثبات، فالكردي يغيب ايامًا عن المدينة وعندما يسأل عن سبب غيابه يجيب بانه يسافر إلى صديق له في ناحية اخرى قريبة. وصديقه هذا كردي ويقصده لا لسبب سوى ليتحدث اليه باللغة الكردية، لغة أهله وأجداده، وهذا لينفس عن صدره ويطيب خاطره ويريح قلبه اياما ويعود، وهكذا لايدفعه للسفر غير الضمأ للتحدث والثرثرة، فليس هناك من يتحدث اليه بلغته.

والمجنون إنماكان على وجه الدقة نصف مجنون كما يقال. إذ لم يكن هائما على وجهه ممزق الثياب،  كما هو معروف عن المجانين عموما،  بل كان رجلا متزوجاً ومعيلاً لأبنائه.

كان يتخذ له مكانا في سوق المدينة يبيع الحلوى للنساء المتسوقات والصبيان، الذين كانوا في نفس الوقت سبب علته ومصدر إزعاجه وعراكه وهياجه عندما يسرقون أو يبعثرون بضاعته.. وسيكون هو بطل ذلك اليوم، اليوم الذي هدد بالانتحار،  يوم المدينة المشهود.

في ذلك اليوم لم يكن هناك ثمة إنسجام في المشهد كله.

كان النهر عريضا ملفتا للنظر..

وكانت صفحة الماء بيضاء ساطعة في ذلك العصر الهادئ والشمس المائلة نحو اليمين.

كانت بعض الزوارق وسفن الحمل الصغيرة العتيقة راسية عند الشاطئ، تصطفق المويجات الصغيرة على جنباتهاوهي ترتج لابثة في مكانها بهدوء غريب. وبين الحين والآخرتمَر على البعد في جانب الشاطئ الاخر شاحنة أو سيارة خشبية.

كان هذا المشهد يرتج وينهار على الجانب الآخر من الشاطئ  بالهياج الذي لم يشهد له الشاطئ مثيلا من قبل.. حيث تجمع اهل الناحية كلهم تقريبا نساء ورجال وشبانا يحثون الخطى ويبعدون الاطفال بقسوة،  حتى يضربوهم على قفاهم حين يعيقون سيرهم، تتقدمهم إمرأة فوق الثلاثين من عمرها تجر عبائتها حافية، وصبيين حفاة كذلك وثيابهم مهدولة.

كانت المرأة تصرخ تارة واخرى تلطم رأسها.. بينما يعكر صفو الماء رجل يسبح وسط النهر منهمكا يضرب بيديه صفحة الماء البراقة، يهز رأسه بخفة وعنف ولايلتفت لأي شئ عدا صوت تلك المرأة وهي تلهث مضطربة.

- عطوان.. ياعطوان، لمن يبقى هؤلاء؟ صرخت وهي تشير الي الصبيين، وأردفت:

- أولادك هؤلاء....لمن..؟

- أبناء الناحية قتلوني. هكذا أجاب الرجل الذي كان يعكر صفو الماء وحيدا.. متوقفا وسط النهر كأنه الشيطان نفسه.

كان عدد غير قليل من ذلك الجمهور الهادر غير مصدق بتصميم عطوان وغير مقتنع بنية ذلك المخلوق. إنما نظر للامر بغير جدية، وكان بكاء المرأة وهي تهيب بكل من تراه بأن يلحقوا به فهي تعرفه وتعرف سلوكه واصطكاك فكيه عندما يعزم على أمر ينفذه.

وعدا بكاء المرأة فإن الذي جعل الناس يتراكضون نحو الشاطئ، هو الخوف اللاشعوري والذي شمل الجميع على واحد من ثوابتهم، إذ لايمكن لمدينة ان تتحرك وتعيش دون ان يكون لها مجنون، وان تخلو احيانا فإنهم لابد صانعوه.

وكان هذا العدد الغير قليل أضطرب وتجمهر ظانا إنها إحدى صولات عطوان الجنونية، وصاح أحدهم بالمرأة:

- أجننت أنت أيضاً، كيف سيغرق هذا وهو يجيد السباحة كما لا يجيدها إبليس؟ وصاح آخر:

- إهدأي يا إمرأة، سيرجع لك بعد قليل... سيرجع كالكلب المبلول. وإلتفت إلى جهة النهر صارخا بعطوان بامتعاض ونفاذ صبر تامين:

- أخرج أيها الأرعن، ألا تستحي؟ أخرج، لقد أفزعت صغارك، أم أنك تريد أن تضحك الناس عليك؟

تلعثم عطوان على البعد وكأنه قد شرِق(غص) بالماء وصرخ بالرجل، وقد ردد النهر صدى صوته البعيد:

- أسكت أنت... أنت بالذات أسكت، عليك اللعنة.. أنما أنا هارب منك، ومن أمثالك ومن أولادك، أنت وأولادك، هم الذين عذبوني وأهانوني وسرقوني.

سعل سعالا مشوشاً، ألا أن دفعة من الحيوية والنشاط دبت به فاندفع منسابا بقوة كالضفدع، حين شاهد ثلاثة من الشبان يرمون أنفسهم في النهر بعد أن أهيب بهم أن يلحقوا به.

فواصل السباحة بهمة وسرعة بينما تأرجحت أمامه، أسباب رحلته الطويلة القاتمة، مبللة مشوشة .

وعلا صراخه بين الحين والاخر فقد كان واضحا كل الوضوح.. جوابا مختصرا لكل ما يحمله من أفكار.

كان جادا.. هذا ماهو متاكد منه الا انه غير واثق من نهاية جولته، أهي آثام يريد ان يغسلها تثقل عليه حياته..او فكرة جديدة طرأت عليه.

ربما تكون فكرة الانتحار حقيقية ومجنونة بشكل ما.. أو أنه لا يستطيع المواجهة وليست له القدرة على ذلك.. هكذا خلق. ولكن أين هو؟ وهل يستطيع القول بانه أمسكها.

كانت أسبابه تضطرب مع حركات يديه السريعة وتتلاحق.

ولكن هل حقا أنه يسبح من أجل نهايته والوصول اليها وهل قالها بوضوح: "سأنتحر".. مثلا عندما رمى نفسه بالنهر؟؟ سوى انه كان يصرخ ويلوح بيديه ويرفعها الى الاعلى ويدفعها نحو المدينة كما لو كان يرمي حياته التي تجمعت ويدفعها ليرتمي هو الى جهةٍ اخرى لم تكن محددة حتى تلك اللحظة.

ربما يرجع عدم الوضوح هذا الى انه متاكد من كونه سباحا ماهرا.. فلماذا النهر.. وكيف سيغرق؟.

ولم هذا الرعب والضجيج الذي حل بالمدينة.. هل حقا يحرصون عليه؟. لماذا يلاحقونه؟ وهو الذي كانت تلاحقه بالامس همساتهم وصيحات أطفالهم.. عطوان المجنون.. عطوان المجنون.. عطوان المجنون! غاصت هذه الكلمات بعيدا ربما في القلب او في مكان آخر انما داسته تماما.

حاول الغوص وظل بضع لحظات في الاعماق الا انه اندفع للاعلى على غير ارادة منه شاهقا منتفض الرأس،  بعدها أرخى أطرافه منسابا في الماء الذي كان يجري بمهابة وهدوء..

لماذا يلاحقونه وكل ماقاله انه هارب من اهل المدينة، هارب من أطفالها. لاشك انها زوجته التي تفهمه تماما هي التي استنفرتهم بهذه الصورة بعد ان حدست برعب وانخذال ماهو مصمم عليه ولم يكن هذا من الكلمات القليلة التي تلفظ بها بل من حركة رأسه الملتوية ومن يديه اللتين ارتفعتا الى الاعلى باهتزاز.

التفت مرة اخرى بسرعة.. لماذا يلاحقه هؤلاء الاوغاد؟ إذ لم يكن غريبا ان رمى نفسه في هذا النهر وبجنون اكثر، وليست هي المرة الاولى التي يلجأ فيها الى النهر ليطفئ الغضب الذي يعصف به من اعتداءات المدينة ومن سرقة الاطفال للحلوى التي كان يصنعها ويبيعها.. رغم انه احس وباعماقه وبصورة لاشعورية بغموض هذه المرة واعترته لوعة من فكرة ان هذا آخر غضب يلقيه عند هذا القريب الغريب الذي لا يمكن ان يفهم.

ولكن هل يفهم هؤلاء الانذال.. إذاً لماذا هذه المرة..

هذه المرة ساكون لعينا وعنيدا بالشكل الذي يدعو للاحترام والرعب.

- عطوان... ياعطوان! صرخت المرأة بنواح وشقاء.

- أبناءك هؤلاء... عطوان.. اخرج ونرحل الى ناحية اخرى.

- أية ناحية أيتها الغبية.. عطوان هو بجنونه والناس هم الناس. هكذا همس لنفسه وهو منهمك.

- عطوان.. عطوان، هل جننت؟

عادت المرأة تصيح، كانت عبائتها قد إستقرت مهدولة على كتفيها.

توقف عطوان صارخاً:

- وهل كان لعطوان عقل حتى يجن!؟

كان شاباً أسمر يركض بسرعة وأرتباك، جاء متقدما الحشد واستمر يركض محاذيا النهر حتى وصل مقابل المكان الذي طاله عطوان وهو يصيح لاهثا: "أرجعوا ستقتلوه أنتم، أرجعوا سيعود عطوان"

- عطوان.. أنا صاحبك عزيز، هل ضيعتني..أخاك أرسل لك وصية وسيأتي عما قريب.. ماذا سنقول له.. وماذا ستقول أنت؟

أحس عطوان بعطب خفيف بذراعيه "هل يريد أن يخذلني عزيز هذا.. ومن أين له ان يفهم؟"

بهذا همس لنفسه وتمنى في تلك اللحظة ان يجلسا سوية ويحدثه لكنه تأكد من أستحالة هذه الامنية، إلتفت وراءه ورأى الشبان الثلاثة مازالوا يجدون في اثره.

إستعاد قوته وعاود السباحة بقوة وعنف.

- عطوان.. أين الرجولة واين ايامك. صاح الرجل اللاهث مبتعدا عن الحشد .

انتابت عطوان غصة أليمة في بلعومه واغرورقت عيناه وشعر بحاجة لان يشرب قليلا من الماء، أرخى ذراعيه وإنساب على صفحة الماء متذكرا يوم إنزلق من مجده القديم من عقاله وعبائته عندما كان يملك حصة في معمل صغير للطابوق، وقراره المفاجئ لبيعها والرحيل إلى الناحية.

غطس رأسه بضع ثواني وأحس بثقل وجنتيه الى ألاعلى ثم إنتفض فجأة وبعنف. " لقد استثقلت هذه المهنة " هذا ماقاله لزوجته التي بكت كثيراً، لم يكن بكائها من قراره المفاجئ ذاك بل من أمرآخر أخافها وكدرها وقبض نفسها.

فقد ألَمت بعطوان قبل ذلك حمى ألزمته الفراش شهراً كاملاً وعندما شفي كان قد تغير كثيراً، حيث كان ساهماً على الدوام ويحدث نفسه، وقد غاب مرة عن البيت يومان كاملان دون ان يخبرها وعندما عاد وسألته معاتبةً، إمتعض وخرج دون ان يجيب. قيل بعدها ان عطوان أصيب بلوثة.

إنتبه إلى نفسه متسائلاً بصمت "هل هذا آخر يوم، وهل هذه آخر القرارات وآخر لحظة، وآخرحيرة تطالها حياته الضاخبة؟" حرك يديه بهدوء وإندفع إلى أمام.

بإستقرار محررا أحشاءه إلا أنه أحس بدبيب جسم أملس بين فخذيه مما جعل بدنه يقشعر منتفضا بعنف.

- أي إبن الكلب.. سأريك من المجنون..

إلا ان الطفل دخل راكضاً إلى مقهى قريب محتميا بابيه الذي كان جالسا هناك.

يومها وقف عطوان في باب المقهى منتصبا لاهثا وجسمه يرتعد غضباً .

- لماذا لاتربي هذا النغل الذي يقال انه أبنك؟ أنا المجنون أم أنت وكل عشيرتك.. ولو لم تكن هكذا لما قضيت كل أيامك مطروحاً هنا كالكلب.

تنهد لحظة وانقلب على ظهره محركاً رجليه حركة خفيفة كما لو كان يريد ان ينام، واغمض عينيه.

وضعه ثلاثة بينهم وأخذوا يركلونه وقد قرروا قتله لولا تدخل بعض الجالسين معللين كلامه بجنونه. واختفى أثر هذه الحادثة في بيته أياما طويلة وفكر أن يترك هذه المهنة اللعينة والتي تعلمها من كثرة اسفاره بعدما ظل عاطلا اثر رحيلهم إلى الناحية، كان يحرص كل الحرص على أن تكون حلاوته طيبة المذاق ونظيفة.. يحبها زبائنه ويحدث أن يسرق أحد الاولاد شئ منها ويهرب، فيلاحقه عطوان تاركا بضاعته نهبا للاخرين .

لم لقسوة بعضهم حدود فحين خرج من عزلته، إن أفواه جديدة قد أضيفت وصفات ونعوت لاحصر لها قد اعدت  وحفظت لملاقاته ولم يستطع هو ان يعتادها، فيعود مرة أخرى لشقائه وصراخه وتعود شتائمه.

كانت هذه الخواطر التي مرت  قد سحبته الى هاوية سحيقة من الخذلان والخجل والاشمئزاز مما زاده قوة وتصميم على مواصلة مسيرته رغم صراخ عزيز المستمر بينما هو يبتعد شيئا فشيئاً عن الشاطئ الصاخب .

وأُجلست المرأة الى جانب قريب باكية وقلقة وعاجزة، يرافقنها بعض من النسوة الثرثارات اللاتي كن بالامس يحسدنها بسخرية وقهقهة حين كان عطوان ياكل معها وقت الغداء يوم كان الحرص يسد والاشتهاء، يوم كانت عالمه الوحيد والاثير.

كان بناءاً عالياً يطل على النهر هو الذي منع ذلك الجمهور الكبير من مواصلة السير على الشاطئ ومتابعة عطوان رغم ان عددا كبيرا منه قد تثاقل في سيره قبل ذلك ، معللا من انه لابد من عودة عطوان وبانه سيتعب بعد حين ويخرج، إذ لا يمكنه أن يستعين بأحد ليمسكه من شعر رأسه ويغرقه، ولا يمكنه كذلك بان يصدر أمراً إلى عزرائيل، فعزرائيل لا يتلقى أمرا من أحد، ولابد ان يكون مشغول في هذه الساعة. هكذا تراجع الجمهور مثرثرا غير ان عددا من الصبية والاولاد والاطفال كانوا قد التفوا حول ذلك البناء بخفة متوقفين على الشاطئ يرقبون عطوان ويتوسلونه على البعد وهو لايسمع:

- عمي عطوان.. أخرج ياعم!

- أخرج عماه.. من يصنع لنا الحلاوة من بعدك؟

- أخرج بالله عليك.. كفى ياعم!

كان أحدهم قد جلس القرفصاء مرتجفا مغرورق العينين. وظلوا هكذا يرقبونه طويلا وهو يبتعد .

ألتفت عطوان وأحس بشئ من الراحة رغم الاجهاد الذي أخذ منه مأخذاً، بل أحس بشئ يشبه الانتصار إذ لم يستطع الشبان الثلاثة من مواصلة السباحة فخرجوا بعد ساعة لاهثين مجهدين شاتمين وجلسوا عند الجرف مطرقين رؤوسهم واضعين سواعدهم على ركبهم.

وكان وهو يشيح بوجهه عن كل ماحوله وهو يبتعد أكثر فاكثر وكانت حواسه تواصل عملها بصورة طبيعية نوعا ما، رغم انه أحس بدوار خفيف في رأسه وكأنه الذهول ربما سببته صفحة الماء المنبسط أمامه.

كان يود أن يرى الشاطئ أمرا فظيعا يليق بتلك اللحظة وهو يقلب وجهه وقد أحس بتعب غير قليل يسري بأطرافه، وإنتابه شعور بالوحشة من ذلك الهدوء الذي أحاط به، متذكرا جلسة له على الشاطئ في امسية بعيدة ، بدا له النهر يومها غريبا.. مخيفا.. مهيباً لا مباليا، كان جالساً على صخرة صغيرة والى جانب قريب منه سفينة حمل صغيرة صنعت كلها من الحديد متروكة غارقة في وحل الشاطئ لايظهر منها سوى المقدمة، متكأة على جنبها تضربها الامواج برتابة وعناد. أخذته حينها الافكار بعيدا وهو ينظر الى سطح الماء الداكن المبهم..

كيف يمكن لانسان ان يموت غريقاً، كيف يتسنى للنهر أن يفعل ذلك.. ولماذا لايتركه يطفو إلا بعد أن يتاكد من موته.. اللعنة.. وارتعد من فكرة أن يطفو غريقاً هناك عند تلك الجزرة المتشابكة بين الافاعي والسلاحف والحيوانات المختلفة.. يالها من غربة كريهة..

هكذا حدث نفسه في ذلك المساء الموحش البعيد.

أحس لاول مرة بثقل جسمه وشعر بأنه يفقد مهارته وخفته وان صوتا من اعماق النهر يناديه، واجتاحته فجأة فكرة الموت ووحشته وأرعبته، وأختلطت أحشائهِ برأسه "هل حقا إن ساعته قد دنت؟ لابد أن الله سيجد له أسبابا كثيرة ليعفو عنه، فإنه لم يؤذ أحداً في حياته ولا حتى نملة، أيكون هذا سببا كافياً للغفران.. لم يكن يصلي كما هو مطلوب أنما كانت صلاته متقطعة وأحياناً ينساها أياماً عديدة.. فهل لابد من العذاب... طريق البرزخ... وأشجار الزقوم! تذكر أمواته وتذكر أمه بالذات، قد يراها هناك وهو في الطريق بينما يسوقه الزبانية نحو الجحيم.. أو يلمحها من إحدى كواة جهنم على البعد وهي تنسل شعرها الاحمر الناعم تحت شجرة من أشجار الله الظليلة . ام أن كل هذا هراء.. هراء! إن الله خالق الكون، خالق السماوات والارض، خالق الشمس وهادي النجوم البعيدة وباعث نورها لابد أن الله هذا أكبر وأعظم مما يشاع عنه ويقال.. هكذا حدث نفسه مسدلا الستار عن تلك الافكار المزعجة التي لاداعي لها والتي فات أوانها، كانت أمنيته بحدوث شئ غير طبيعي وغريب لازالت قائمه في راسه وكان يود لدرجة اليقين بحدوث شئ.. ناراً ستلتهم المدينة وتتاح له رؤية ذلك او يرى احد صغيريه مذبوحا على الشاطئ .

وقد لمح في تلك اللحظة كلبا هزيلا يجري وتمنى ان يعوي ذلك الكلب وتمتم بتعب وهز الماء بيديه: "ألا تعوي أيها الكلب القذر... أنك أشرف منهم جميعاً.." وأزدادت أمنيته لسماع عواء الكلب، ألا إن ذلك لم  يحدث، إذ لم يزل الكلب يهرول على الشاطئ غير مبال .

لم يكن هو بحاجة لكل تلك الامنيات ليصعد لحظته بل كان يزداد تصميما كلما انهار شئ من قواه تذكَر شخصاً رمى بنفسه ليلا في ذلك النهر لابد في تلك اللحظة قد علت عينيه غشاوة سوداء قاتمة، أو ربما كانت السماء أثرها تمطر بشدة او ان عاصفة من غبار اسود كانت هناك .

كل شئ من هذا لم يحدث  الآن، حتى الكلب ظن عليه .

بل كانت مجموعة من طيور الماء تعلو وتهبط بمرح وكانت الشمس واضحة واليفة، وكان مكاناً لبيع اعمدة "القوغ" تلك التي تستعمل لبناء البيوت وكان المكان يبدو جميلا ومدهشاً حيث الاعمدة مرصوفة ملساء وبيضاء، وبضع من الحصران الذهبية الكبيرة تلتمع مبعثرة على الشاطئ بصورة تخطف البصر، وكان هناك زوجان من الاعمدة الطويلة متعانقة نحو الاعلى .

لذا فانه اتخذ قراراً أن لايلتفت، كانت قواه قد إنهارت تماماً وأخذ يتنفس بصعوبة ويتقدم ببطء في الماء الذي ارتفع موجه وصار هائلا مضطرباً، وقد مضى من الوقت ثلاث ساعات وهو يسبح وكانت محاولاته للاسترخاء والراحة غير مجدية، بل كانت وكانها تحدث إضطراباً في مخططه.. وكانت قوى خفية تحاول سحبه الى الاسفل لكنه مازال يقاوم .

وعندما وصل إلى منعطف النهر أحس كأن شيئاً قد أقتلع من رئتيه أو أن صمام تنفسه قد أغلق تماما في تلك اللحظة لمح وبما يشبه السراب، رجلا يسير على الشاطئ ويحمل خرجاً على كتفه متجها صوب المدينة، إستجمع عطوان ماتبقى من قواه وصاح بالرجل بصعوبة كبيرة وكلمات متقطعة وأنفاس لاهثة مختلطة :

- إيه.. أيها الرجل.. ماذا تسمى هذه المنطقة؟

إنتبه الرجل وتوقف عن السير مستغرباً

- إنها "العالية".. أخرج يارجل، فأنت متعب .

- لقد وصلت!

هتف عطوان وغط فجأة.. وخيل للرجل الذي إزداد فضولا ودهشة إن اخطبوطاً سحب عطوان ثم فكر، لابد أنه يبحث عن شئ ما، وعندما مرت بضع دقائق تمتم الرجل :

- ماأطول نفسك ياهذا لابد ان لك رئتي شيطان..

كان صوتا  هادرا قد اشتد على الجانب الآخر من الشاطئ إذ مرت شاحنة متجهة نحو الشمال وكان سائقها يمرر يده اليسرى على رأسه بهدوء ولامبالاة. وعندما أختفى صوت الشاحنة سمع عواء كلب آت من بعيد، ولبث الرجل واقفا تتنازعه الحيرة واليأس ونفاذ الصبر، وبعد ساعة كاملة وبينما كانت الشمس تزداد شحوبا واصل سيره نحو المدينة هازاً رأسه ملتفتا بين الحين والآخر متمتما:

- اللعنة... اللعنة... تف!

وعندما وصل المدينة رأى عدد من الرجال وقليل من النسوة مازالوا متجمهرين عند الشاطئ، حينها خيم الصمت على الجميع بينما هو يحدثهم بما رأى، إلا أنه لم يات على ذكر الشاحنة وسائقها الذي كان يمرر يده على رأسه، ولا عواءالكلب.

 

 
 

الصفحة الرئيسية | قصائده | قصصه القصيرة | سيرة الشاعر | الشاعر رساماً | كتبوا عن الشاعر | سيناريو
جميع الحقوق محفوظة © 2006                                                                         hosted & designed by: The Red Elephant