الشوكة

     

 

 

ليس بالشيء الغريب أن يستحوذ أمر ما على رأس أنسان وفكره وهو يتقدم بالعمر ويسيطر عليه ويكون هاجسه الدائم يأكل معه ويشرب كما يقال.

وسواء كان هذا الامر فكرة أو شك أو كره أو حب أو إنتحاس، فأنه يلح ويترسخ ويعذب ويظهر للعيان كنوع من خفة العقل ومنحدرا نحو الجنون.

وسوف أسوق الدليل على ما أدعيته بمعرفتي بالناس حين يصيبهم مس العمر واتحدث عن رجل عرفته عاقلا ناصحا أبيا متعلما مواضبا على القراءه والتثقف. إلا أن شوكة قد طعنته واستقرت وكبرت وتفرعت وبانت انها شوكة الشك. إذ بدأ يشك بزوجته بعد أن أقتربت من الخمسين تلك الزوجه الباره الورعه والتي لم يسمع لها صوت كما يقال.

وأخذ شكه ينمو ويزداد شيئا فشيئا وحرم عليها الخروج حتى إلى باحة الدار. وحرم عليها أن تخرج للتسوق إلا وهو مرافقا لها ملازما بخطاها. ويحدث أن يستيقط منتصف الليل ليتأكد من وجودها وحين تدخل الحمام فأنه يظل يروح ويجيء عند باب الحمام ويتوقف احيانا ليتنصت ولقد عرفت هذه التفاصيل من مصادر وثيقة الصلة بتلك المرأة سيئة التوفيق.

وكنت على معرفة وثيقة أيضا برجل طعنته شوكه غريبه شديده الاختلاف إذ اشتد نفور هذا الرجل من الاطفال وتحول هذا النفور الى كره متزايد ظاهر وكبرت هذه الشوكه فأخذ يشتم كل طفل يصادفه ويلعن الذين خلفوه وكان لا يفتأ بملاحقة الاطفال حين يراهم مجتمعين يلعبون قريبا من داره ولما كان الاطفال عنيدين مولعين بالمشاكسه والقسوة، فقد كانوا يلاحقونه بدورهم ونشبت بعد ذلك حرب سجال بينهم وبين ذلك الرجل واشتد اوتار تلك الحرب وجن في الاخر جنونا صافيا لا لبس فيه.

إلا انني ساتحدث بالتفصيل عن رجل آخر وهوس آخر إذ أستقرت في رأس هذا الرجل فكرة أن يشتري حمارا ولم تكن هذه الفكرة والقرار أخيرا اقرار صاحبي هذا بأفتناء حمار كواسطة للنقل في هذا الزمن زمن السيارات وليصدفه ولا ابتغاء لاثاره الانتباه أو للطرافه احاديث هذه الفكره فيه وتلبست كما يدب الحب وينمو، ويظهر ويترسخ بعد ان بدأ كرهه للسيارات وسائقيها يظهر ويشتد في رأسه، مما تسبب له من أرتباك وبتشويش وبعد ان أخذ يحلم بعالم خال من الضجيج. وبالاخص ضحيج السيارات، وكان يمني نفسه ويحلم بيوم واحد في الاسبوع تمنع فيه السيارات وتتوقف عن السير ليرى ويتمتع بشوارع خالية هادئة وادعة، ليس فيها مايربك ويسبب الصداع والخوف، واذ ترسخت لديه فكرة أن يشتري حمارا كان عليه ان يقلب هذه الفكره من كل أوجهها رغم ماكان يرى فيها من بساطه وبراءه الى أن تحين الساعه التي سيجاهر بها ويعلنها.

لم تكن لديه مثلا فكرة عن أسعار الحمير، ولا عن مدى نجاح مشروعه والسير به حتى النهاية وسط ماكان يتخيله من سخط زوجته واستهجان أولاده وسخرية الاخرين، خصوصا على رجل مثله ليس فيه ما يثير الشكوك والاستغراب سوى ماكان يلاحظ عليه من اختلاف عن باقي رجال الشارع الصغير الذي يسكنه بأنه كان يخرج الى عمله حاملا كتابا أو كتابين. ولم يكن هذا يعني أحدا أو يهمه في شيء سواء كان يحملها من باب التبجح أو أنه يقرأها فعلا وحتى أن أثنين من جيرانه يكرهونه لهذا السبب. ولكنه على العموم كان يحضى برضا الاخرين وكان على الاخص قد فاز بحب العجائز وتقديرهن لتحيته الخاصه لهن ولاعتداله وحبه للسلام بين الجيران هذا إلى أنه رجلا عاقلا كما يبدو. وكان يعد من بين الرجال الانيقين والقلة الذين يعنون بهندامهم. كان هذا بالذات رأي النسوه حين يثرثرن بجمالهن.

وكانت هذه الانطباعات التي يحسها نحوه عند الاخرين تصب في غير صالح مشروعه ولكنه رغم هذه العراقيل والتي هي عقله وهندامه، وحسن سلوكه ما برح يمشي بهمة ويخطط لمشروعه المبتكر.

واحس بميل وهوى غير عاديين نحو هذا الحيوان ورأى نفسه وبصوره لا شعوريه يدافع ويغلف ويعدد مناقبه في كل مناسبة يأتي فيها الحديث عن الحمير وحين جاءه أحد معارفه ممتعضا شاكيا بأن احدهم نعته بالحمار فأنه انزوى به جانبا مقنعا أياه بما للحمار من مزايا وسائلا اياه

- هل رأيت حمارا حاقدا؟ وهل رأيت حمارا حسودا أو منافقا؟ أما نظرت لتلك المشيه الانيقة النازكه.

وغالبا مايقابل كلامه ذاك بالضحك واللاتصديق إلا انه أحس بصلة قربى بينه وبين ابناء هذا الجنس الطيب تشتد يوما بعد يوم.

ولكن أين يجد من يبيعه حماراً. أتذكر أن الجمع الوحيد الذي شاهده آخر مرة كان في أيام العيد اذ كانت مجموعة من الحمير قد تواجدت في مكان نصبت فيه ملاعب شعبية للاطفال، وكان من بينها ركوب الحمير ويديرها ويرعاها مجموعه من الصبيان الغير مهندمين حيث لا يمكن الاستفاده منهم بأي حال من الاحوال، فهل ينتظر العيد القادم. إلا انه ظل يسأل ويتربص لأي بصيص قد يعينه وفي غمره بحثه واستقصائه وهوسه فوجئ بأمر لم يكن يتوقعه ولم يتخيله رغم ان المفاجأه قد أفرحته واراحته اذ قيل له أن سوقا تزدهر كل يوم جمعه تباع فيه الحمير والذي أدهشه ان هذه السوق تقام في بغداد بل في قلب بغداد وهي سوق قديمه راسخه في محله تدعى "ن" وأراحه هذا الاكتشاف رغم ما سببه له من متاعب كان يحرص أن يتجنبها على الاقل في الايام الأولى لدراسة مشروعه وهي سخرية البعض وتهكمهم وقلة ذوقهم اذ ماأن سأل احد معارفه عن تلك المنطقه وفيما اذا كان بمقدوره أن يصطحبه اليها اذ كانت لديه سياره حتى فوجئ هذا بالامر وبما معقودعليه العزم فسري هذا الخبر كما تسري النار بالهشيم كأحلى وكأخر نكته.

فهذا ينصحه بأصطحاب خبير بشؤون الحمير وآخر يشير عليه ان يأخذ خرائط هذا الحيوان خشية أن تكون أجزاء منه مستبدله وآخر يتمنى أن يكون الحمار الذي سيشتريه أبن عائلة وآخر يقترح أن يكون الحمار من نوع "دبل قماره" ليوصل أبناءه إلى مدارسهم.

وقد واجه كل هذه السخريات ببسالة وصبر نادرين، ولم يفاجأ بها إنما أزعجه بأن هذه السخرية جاءت مبكرة وكان يود ان يكون ذلك عندما يشتري الحمار وينتهي كل شيء.

كانت تبعده عن يوم الجمعه أربعة أيام إذ كان الخبر قد شاع يوم الاحد وقد أزعجه ذلك ايضاً. وأخذ يتخيل ما سيكون عليه ذلك العرض الصاخب للحمير وهي تعرض للبيع ويتنافس على شراءها الزبائن وقد تكون هناك مزادات ومضاربات ومساومات وتنافس وتحايل ولعب على الذقون كما يحدث غالبا في عمليات البيع والشراء.

لكن هل سيكون هذا مع الحمير أيضاً وما وجه اللعب والتحايل وهل يوجد حمار مغشوش أو أعوج أو اعمى لابد أنه سيراه وسيمشي أمامه، ويتفحصه، ولكن قد يكون الغش في عمره فهو لا يعرف ذلك بل ليس لديه أي بصيص من خبره إذن لابد من أصطحاب أحد من أهل الدراية في هذا الموضوع.

تذكر الحارس وكانت تربطه وأياه علاقه لا بأس بها وكان هذا رجلا نحسا وغير محب للمزاح، وخشي أن يطرده عندما عندما يتصور الامر ليس إلا نكته وكيف يقنعه وكيف يلين ذلك الرأس اليابس. وتوصل إلى أنه سيقنع ذلك الرجل بشكل ما وهون الامر أو قد لا يحتاجه فيما لو تجنب ان يشتري حمارا كبيرا ناضجا وان أرتأى ان يشتري حمارا فنيا او صغيرا ويرقبه وهة يكبر امام عينيه ويتفهمه ويحبه وخيل اليه بأن هذا الحيار هو الانسب وسيكون خيارا مأمون الجانب ومحمود العواقب.

لكنه انتبه لما في هذا الخيار من سيئات أيضا إذ سيحتاج الحمار الصغير إلى عناية وصبر قد لا يتحملها أحد وقد تطول المده وقد تحدث امور ليست بالحسبان كأن يقترب من الحمار الصغير احد ابناءه ويرفسه وهو غائب فستكون الطامة الكبرى وستكون هذه فرصة لزوجته المتبرمه بأن يسدل الستار على ذلك الفصل. وظن انه توصل الى حل لتلك المشكله الصغيره اذ تذكر ان لديه صديق يمتلك مشتلا صغيرا وسوق لن يضره ولن يضر المشتل وجود حمار صغير. بل قد يكون احد مكملات الديكور لذلك المشتل بينما ذلك الحيوان الطيب الساهم مربوط الى جانب يحرك أذنيه ويهز ذيله بين الحين والحين.

واعيت رأسه هذه الهموم وأزعجه بعض الشيء ان الامر اخذ يتفرع ويتعلق شيئاً فشيئاً باشخاص لم يكونوا في البال إلا انه لم يهتم لذلك كثيرا.

تفحص ما بحوزته من نقود وأعاد حسابها ووضع نصفها في احد جيوبه بل في الجيب الداخلي لسترته وعندما دس رزمة النقود تلك حرص أن تستقر جيداً في عقر الجيب وربت عليها رغم ان ذهابه غداً للاطلاع وقد يجشم نفسه طلعه أو طلعتين لتكون عملية شراء الحمار اكثر ثباتاً ورسوخا. وكان يمارس في تأخره هذا نوعا من المماطله واللايقين. وأنتابه شعور من عدم الثقه وهو يفكر ويستحضر وينتظر ويتطلع الى من ينجده.

وقد شك في لحضه انقشع فيها ذلك الهوس بأن الامر اشبه ما يكون بتمثيليه فاشله لما فيها من أفتعال وافتقار وقلع اقدام ولما فيها من تفاهة الموضوع في زمن صعاب كهذا.

وقد سبب كل هذا تأخراً لاكثر من ثلاثة اسابيع بالاحرى ثلاثة جمع. كان توتره يزداد بمرور الوقت واخذ يفكر بتفصيلات وهوامش زائده وغير ذات اهمية ولا مساس لها في صلب الموضوع كأن يفكر بأرتداء ملابس شعبيه يوم ذهابه الى ذلك السوق أو كأن يخشى ان ذهابه سيكون نهاية المطاف.

وتذكر ان هذا التعقيد والتردد لم يكن موجوداً أيام شبابه يوم كان محاطا بجمع من الاصدقاء الطموحين الضاحكين محبي الخوض بكل تجربة، وكان هو واحداً منهم يوم كانوا يقضون الليالي مع البقالين واصحاب المزارع وسائقي سيارات الحمل ذلك في سوق الجمله لبيع الخضار، السوق الذي كان النشاط فيه على مدار الساعه.

وكانوا في ذلك الوقت شباناً أنيقين مختلفين فخورين بتلك السهرات فهذا يرسم وهذا يسجل ملاحظات بين اناس شعبيين بعيدين عن وقار المثقفين والافندية بتلك الدشاديش والاحزمه العريضه تشدها بينما يتنهد من ثقل اكياس النقود وكان هؤلاء يتباهون وبموده غايه بالصفاء بمجالسة اولئك الشبان المثقفين الغريبي الاطوار وتوطدت صداقات هنا وهناك صداقات متكافئه ربما غريبة التكافؤ والتي ستبدوا اليوم وفي زماننا هذا علاقات رما مشبوهه خصوصا على شبان هواة جميلين مثلهم مع اناس خشنين في عمر آبائهم.

واخيرا فانه أتخذ قراراً لا رجعة فيه أن يوم الجمعه القادم سيكون اليوم الفاصل بأنه سيذهب ويشتري الحمار ويتهي كل شيء وليضع حداً لكل الوساوس التي اثقلت عليه ايامه، وبالرغم من صلابة ذلك الحسم إلا أن قلبه بدأ يخفق كلما أزداد العد التنازلي لذلك اليوم واحس كأنما هو مقبل على كارثه وكان القلق والانقباض ملازما له في أيامه ولياليه خصوصا من فكره ان شجاعته ربما ستخونه في الحظه الاخيره ويعدل عن شراء الحمار يعدل عن حلمه البديع عن الوقفه الشجاعه التي كانت سقفها ضد هذا العالم المستفز الخالي من الاحساس وان هذا سيكون جنبا آخر سيضاف الى سجله وقد تحول القلق والانقباض شيئاً فشيئاً الى رعب جعله ساهماً متبلداً طوال الوقت.

رغم انه وخلال ذلك يعاوده الاضرار ويمشي بطبيعيه هادئه ولكنها متوجسه. حيث قصد محلاً لبيع القبعات واشترى قبعه متواضعه من الخوض واحط الامر بسريه تامه وهو يفكر بما سيكون عليه منظره بالقبعه وهو راكب حماره وكيف انه سيسلك طريقاً مختصراً الى مكان عمله ويحاول ان يتجنب السير وسط الشوارع المزدحمه وانه سيخرج في البدايه مبكراً وقبل طلوع الشمس ويأتي الى بيته في الليل ليتجنب سخرية الاخرين وصياحهم وكيف يحاول جنب العراك داخل المنزل ويقنع اولاده وقد سببت هذه الافكار والهواجس شروداً وانشغالاً عن كل ماحوله وسببت حتى اهمالاً لنفسه ولعمله ولبيته كذلك.

وقبل يومين من حلول الجمعه المرتقبه زاره اخوه الاصغر ولم يفاجأ هو بتلك الزياره انما أنتبه إلى أن أخوه كان يتحدث اليه بود ملحوظ وكان الحديث يدور حول العمل وصعوبة الحياة وكان هو شعر بالضيق وتمنى أن تنتهي هذه الزياره الثقيلة ليختلي بنفسه وبأفكاره فالموعد آخذ بالاقتراب إلا ان امراً قد حدث لم يكن في حسابه ولم يخطر بباله اذ بادره أخوه بالقول:

- هناك طبيب نفساني وهو صديق لي لماذا لا نذهب إليه

حدق بأخيه برهة وأختلط الأمر عليه:

- ولماذا أصطحبك إلى ذلك الطبيب

- لتعرض عليه نفسك، وسبب إضطرابك، ربما سيعطيك شيء من المهدئات.

أحس بأنقباض وضياع ودوار قد أحاط بكل كيانه وفكره، أنه لابد أن حديثا قد دار حول سلوكه هذه الايام واحس ان كرامته قد أهدرت، وفكر كيف سيرد على هذا الوقح وقرر أن يحسم الامر بضربه بالكرسي الفارغ الذي كان بجانبه إلا انه عدل عن ذلك خشية أن يزداد الامر سوءاً بهذا التصرف وربما سيكون شاهداً ورجحاناً لكفة شكوكهم:

- هل رأيتني عريانا هائما على وجهي لتحدثني بهذه الوقاحه

- عفواً ياأخي وأنا لم اجئ لأثيرك انما كدرني سخرية أصحابك وتهكهم عندما مررت إلى مكان عملك وحتى أنهم قالوا بأنك تنوي شراء حمار.

أحس هو بركلة أخرى قد وجهت إلى صدره إلا انه تمالك نفسه مرة اخرى.

- كنت أمزح معهم أيريحك هذا؟ وهب أنني سأشتري حماراً فعلاً فما العار الذي سيلحقك من ذلك أيها السيد المهذب أو ترى ان راكبي الحمير مجانين كلهم اخرس لاتتكلم انني أعلمك وأعلم خمسون غبياً مثلك وسأشتري الحمار رغما عنك.

كان الحمار وموضوع الحمار يذكر لأول مره في بيته لانه تكتم عنه خصوصاً أمام زوجته، ولكن قد يكون هو قد تحدث بها عن ذلك ايضاً وصاح بوجهه:

- أغرب عني لا أريد أن أراك وخرج من الغرفه لاعنا وموجهاً الكلام لزوجته وأولاده وأخوه:

- أنتم يامن تستنكفون من الحمار أنظروا إلى انفسكم أنظروا إلى ثرثرتكم الفارغة، أنظروا إلى أختلاف قلوبكم.

كانت هذه الزياره اللعينه قد أخلت بكل نظام تفكيره واحس ان صخره هائله قد اعترضت سبيله فجأه وكان كلما يتذكرها فأن أفكاره تجنح مثل سفينه قد عطبت من جانب إلا انه قرر ان يحيط نفسه بنظام عنايه مركزه ويحتاط لنفسه وينتبه الى حركاته حتى لا يعطي فرصة لهؤلاء الاوغاد ان يعبثوا به ويدفعوه نحو الجنون.

استيقظ في اليوم التالي مبكراً واغتسل وارتدى احس ملابسه سائلاً زوجته عما تحتاجه من السوق فيما لو سنحت له الفرصه ونقدها بعضاً من النقود وسأل أولاده واحداً واحداً فيما لو كانوا يودون شيئاً وخرد من البيت محتقراً كل من حوله من اهله الى الجيران الى كل من يعرفه ولم يبق بينه وبين يوم الجمعه إلا يوم واحد وسينقضي هذا اليوم على اي حال وسيذهب شامخاً ويشتري الحمار وسيرى الاخرون  بأن قراره أن هو إلا صرعه من صرعات الزمان، وان حاول اخوه ان يضايقه وعبث معه مرةً اخرى فسيلطمه على وجهه أو ستكون ردة فعله على ذلك الارعن امراً لم يخطر بالبال كأن يرتب له تهمه تلقيه في السجن كان على معرفه وثيقه برجل يأتي بالعجائب ولا يتورع عن فعل اي شئ لقاء حفنه من الدنانير وأطمأن لهذه الناحية.

وسوف لن يجلب الحمار إلى البيت في الايام الأولى ولابد من بعض التدريبات التي سيقوم  بها بعيداً عن أعين المتطفلين والاغبياء.

كانت أيام الجمع كلها وكذلك أيام العطل أيام ممله مكروهه بالنسبه للناس المهمومين، وكان هو واحداً من بين هؤلاء. إلا ذلك اليوم فقد وصل بهيجاً ممتلئاً وهو يستعد للخروج لهمه غير عادية واستقل سياره اجره موضحاً للسائق الشاب موقع المكان الذي يبغيه وكان يتعجل الوصول إلا انه في نفس الوقت ينبه السائق الى أخطار الشارع ويطلب منه التريث في السير إذ كان يخشى أن يحدث شيء يعرقل يومه السعيد ذاك.

واذ ترجل من السياره كان عليه ان يمشي اكثر من خمسين خطوه ليصل إلى ساحة أحلامه وكان خياله قد تسارع في تصور السوق الذي سيراه وكيف سيجد الحمير مصفوفه تأكل البرسيم بينما يمر الناس يتأملونها ولا بد من وجود بغال كذلك. إلا انه ما ان وصل حتى فوجئ بمنظر لم يكن يتخيله اذ وجد المكان مليء بالعربات  الخشبية الكبيره التي تجرها الخيول وهي محشوكه متداخله حتى  ان الخيل كانت تتحرك صعوبه وخشي هو أن يهرس بين  أخشابها المتسخه ولم يكن بأمكانه ان يكون صوره مرتبه وهو يمشي ببطء وسط الصخب ذاك وكان هناك أيضاً بعض الخيول المحرده يمسك بها اصحابها من أعنتها.

كان مكان الحمير نائياً بعض الشئ عن دربكة العربات اذ كانت قرب جدار الساحه وكان عددها اقل بكثير من الخيل وراح هو يتأملها ماشياً مرة متوقفاً مرة اخرى  وقد شغله بعض الوقت منظر اصحاب تلك الحيوانات فهو لم ير مثل هذه الاشكال لا بالشارع ولا في مكان عمله كانت وجوه متعبه غير مكترثه، وشعور قد اغبرت واحترقت الوانها بفعل الشمس وبينهم كذلك اشكال وهيئات موغله في القدم ولاحظ من بين الزحام أمرأه جالسه تبيع الشاي والبيض المسلوق.

وأوشك ان يستقر رأيه على حمار اسود واضح النشاط والصحه وهم ان يتحد شامخ صاحبه الذي كان لا ينظر الى احد ولا الى هذا الزبون الغريب وبينما هو يلقي بتحيه صغيره كانت اعناق الكل قد أشرابت في تلك اللحظة تتطلع الى الجلبة والصياح اللذان حدثا فجأة، والتفت هو الاخر. كان حصانا قد أفلت من يد صاحبه جامحاً محاولاً الخروج والركض وسط الزحام، وكان أثنان أو ثلاثة يحاولون الامساك به. كانت الفوضى تسري كموجة صاخبه وقد علا الصياح الصهيل واحتكاك العربات ببعضها لكل حيوان ردة فعله. وفوجئ صاحبنا بذلك وفكر ان يتنحى جانباً الى أن يهدأ الموقف إلا ان الحمار الذي أوشك أن يشتريه لم يمهله، حيث كانت له ردة فعله هو الاخر إذ رفع عقيرته ورفسه بينما هو يهم بالابتعاد صارخاً صرخه واحده وساقطاً على الارض بقوه وقد توقفت أنفاسه وهب إلى نجدته أثنان من الشباب ذوي الهمة وسحباه خارج الساحه واخذ يتنفس بسرعه وصعوبه واحس ان شيئاً يخترق رئته اليسرى واستطاع بين ذلك أن يسمع كلمة المستشفى أكثر من مرة وجيئ بسيارة وأصطحبه الشابين الذين طالما يصادف أمثالهم في كل موقف صعب.

كان هو قد فتح عينيه وقد شحب لونه شحوبا شديداً إلا انه لم يستطع ان يجيب حين سأله احدهم وكان يمنعه عن الكلام هذا الشيء المغرس في صدره من الجهه اليسرى، وعدا هذا الالم الذي كان يمزقه فأن  ناراً أخرى كان يكتوي بها، ناراً ألهبت بلعومه وعصرت قلبه وود لو انه يستطيع الكلام لا لشئ  ليخبر الطبيب أن سياره قد دهسته، وليس حماراً ربما خوفاً من الفضيحة، أو ربما ليبرئ ساحة الحمير إلا أن دمعتان قد أنسابت من عينيه وهو يشيح بوجهه عاجزاً كل العجز.

 
 

الصفحة الرئيسية | قصائده | قصصه القصيرة | سيرة الشاعر | الشاعر رساماً | كتبوا عن الشاعر | سيناريو
جميع الحقوق محفوظة © 2006                                                                         hosted & designed by: The Red Elephant