ملا يوسف الخالدي والتمثال المحطم

     

 

 

"الوشاش" مدينة صغيرة تقع في الطرف الغربي من بغداد، وكان بناء هذه المدينة بسيطاً، شارع عام تتوزعه على الجانبين شوارع صغيرة تتقابل فيها بيوت الناس، وهي بيوت صممت بخرائط بسيطة أيضاً: بنيت بالطابوق ورصفت "بالفرشي"*

وكانت رغم شوارعها المتربة، فهي محاطة بالبساتين والمزارع وترعة رفيعة ممتده إلى شمالها، وشط كبير إلى الشرق منها هو "شط الوشاش".

وكما تبدو لي الآن على تلك الشاكلة البسيطة، فقد كانت غريبة كل الغرابة، ومن وجوه عديدة. فهي موطن كل فئة، وكل مذهب وكل جنس وكل عشيرة في العراق.

فالكردي والعربي السني والشيعي والصائبي والمسيحي، الابيض والزنجي، كل هؤلاء من النادر ألا يكون لهم "مندوب" أو "ممثل" في هذه المدينة.

وإلى جانب أسطبلات خيول السباق "والسياس" "والجاكيه" يوجد المثقفون والمنتديات الأدبية، والجوامع وعلماء الدين.

وحتى مصورها فهو وجه فني بارز من أوجه غرابتها، فقد كان هناك في طرفها الغربي ستوديو للتصوير وعادة ما يضع المصورون في معارضهم صوراً أنيقة لفتيات جميلات، أو لأطفال حلوين، أو صورلشباب بأوضاع مختلفة...

أنما أبى هذا المصور إلا أن يضع، وفي الصدارة من معرضه، وبحجم كبير صورة لكل مجانين الوشاش، وكانا خمسة وقد نجح بحيلة تصويرية بارعة أن يجمعهم في صورة واحدة. وكان يشير بغمز "هؤلاء هم الخمسة الدائميين".

في الطرف الشرقي من هذه المدينة كان ينتصب وجهاً فنياً آخرا أنه، "سينما الوشاش الصيفي" عالماً من البهجة والاحتفالية والهرج والمرج، بائعي المرطبات "العنبة والصمون"، "اللبلبي"، "فستق العبيد"... المعارك الخفيفة فهي دار عرض لكل شيء بطابعها الصيفي، وأرضها الترابية التي ترش عصراً، ومقاعدها الخشبية الطويلة فاتحة الخضره وصوت "عبد الوهاب" "عندما يأتي الماء" أو "أحب أشوفك" كانت تلك الاغاني ثقيلة على مسامعنا لكنها ولا شك من ذوق صاحب السينما أو مديرها الفني.

كانت قلعة من قلاع ثقافة الوشاش النامية وذوقها الشعبي، رغم أن معظم روادها من الصبيان والعاطلين، إذ كان هواة السينما ويدعوهم "السينمجية" فئة مرفعة حديثها لا ينقطع، وهواها هناك في "شارع الرشيد" حيث الأضواء والأعلانات الكبيرة، ودور العرض الكثيرة المتجاورة، ومكاتب شركات صناعة الأفلام. فوكس والقرن العشرين" "متروكولدن ماير" وأخريات... هناك في "جبال السيرا ما يسترا" و "الموبي دك" و"بكنك" "كاري كوبر" "كيم نوفان" وهمفري بوكارت" "جيمس كاكني" وآخرين...

كانت فعاليات المدينة موزعة على جهاتها الأربع تمام التوزيع، ومرتبة تمام الترتيب. ففي الجنوب منها كان ملعب كرة القدم، وكان فريقها مفخره رياضية، وأسم لامع من أسماء الفرق الشعبية في بغداد.

لقد كانت مدينة لا تخلو من شيء تقريباً، فكان فيها النشال المحترف والمصارع والفنان الغامض. كانت ضاجة بمقاهيها... بأفكارها بسوقها... بباعة الصحف... بدكاكينها... وبحيواناتها.

ولما كانت تحث الخطى وتصر على أن لا تخلو من شيء فكان لابد لها من شاعر. وتشاء الاقدار أن يكون "ملا يوسف الخالدي".

ومن بين كل هذا كانت هناك مقهى كبيرة تدعى "قهوة السبع"، لم يكن صاحبها "سبعاً" إذ كان أبن عمتي إنما نسبة لتمثال لأسد يتوسط جانبها الصيفي، ويستظل بشجيرات صغيرة وأصوات عذبة للماء ينساب ويترقرق هنا وهناك، فكانت بحق أجمة صغيرة رقيقة.

وكانت أمسيات المقهى تضج بكل تلك الأجناس من البشر، وفي المكان المقدم واللائق كان المعلمون وبالطبع يرتادها بين الحين والاخر رجال الحكومة. كانت الأفكار تتصارع والأيادي تشير مرفوعة فمنهم "الشيوعيون" و "القوميون" و "الأخوان المسلمين" المؤمنين والملحدين، والنقاشات تحتدم وبعنف لكن دون عداء إذ كان الكل "وشاشيون".

وكان دكان للخياط على جانب قريب من تلك المقهى، ويبدو أحيانا كأنه إمتدادها، أو صورة مصغرة لما يدور فيها وكان هذا الخياط بارعا في الحديث متنوع المواضيع، وكان رواده كثيرون متنوعون، والثابت منهم ثلاثة سيحتاج الحديث عنهم أياما، أحدهم طالب في كلية الطب والآخر حلاقاً، والشاعر الذي أحاول أن أرسم صورة له هذا اليوم عسى أن أسميها صورة بعد هذا الزمن البعيد.

إذ بعد عقدين سينفض هذا الجمع "فالطبيب المختص" يهاجر الوطن تائباً إلى غير رجعة، والحلاق يسفّر عنوة لشكوك حول عراقيته، والخياط أقتيد ولم يعرف مصيره للآن.

ليس هذا فقط فأن جمعاً آخر سينفض، فلا السينما ولا المقاهي، ولا حتى باعة "فستق العبيد".  لقد برع مقاولوا التخريب بأقتلاع كل ما هو أصيل وجميل في مدينتي وأجادوا أيما اجاده. ولا يعرف هل كان لباعة فستق العبيد علاقة بالسياسة أولئك الذين كانوا من ثوابت المدن العراقية، بوجوههم الفاحمة، وأسنانهم البيضاء وكأنها أشراقة بالدخان الخفيف المتصاعد من تلك المناقل المغلقة العجيبة برائحة الفستق الدافئ وهي تدير الرأس.

وكثيرون غير هؤلاء هم رواد الدكان، فرئيس بلدية الوشاش من بينهم، وحتى "مأمور المركز" فأنه يعطف ولكن بأحيان متباعدة، وخصوصا في ليالي رمضان الساهرة أضواءها حيث العيد على الأبواب، فكان خياطاً نشطاً ومزدحماً في مجال مهنته، وفي الكثير من الأحيان يدير الصراع، وهو منهمك وراء ماكنة الخياطة، وكانت الأحاديث تدور حول الساسة والشعر والدين وكروية الأرض، ونادراً ما يمر يوم دون مطاردة شعرية، وكان للخياط السبق في ذلك.

كنت أنا في العاشرة من عمري أو أكثر بقليل، وكان هذا الدكان عائداً لأخي، وكنت مساعداً له بأشياء صغيرة عديدة منها ما يتعلق بالمكواة أو فتح بيوت الأزرار أو كنس الدكان. وكان من بين مهماتي الثابتة تقريباً، هو ذهابي إلى بيت الشاعر "ملا يوسف الخالدي" الرجل المنحدر من مناطق الفرات كما يقولون وأصطحابه في الساعة العاشرة صباحاً إلى الدكان، والعودة به في الساعة الواحدة إذ كان رجلاً بصيراً، نظيفاً مهندماً، محباً هادئاً متهدجاً مؤثراً في كلامه، وكان على ما أذكر مستمعاً دؤوباً للراديو..

كان شاعراً بهيئته المحببه بهدوئه، بضحكته الخجوله برقة حاشيته، بعقاله بكوفيته الداكنة، بعينيه الجميلتين التي لا يبدو عليهما العمى... لم يكن له من صفات العديد من العميان إلا عماه، إذ كان واثقاً قليل الحركه عندما يتحدث ربما راجع هذا إلى أن عماه جاء في أيام كبره هذا ما أعتقده الان! لأني لم أسال عن ذلك وقتها.

كان "ملا يوسف" أضافة لذلك ذا بداهة شعرية غاية بالدهشة، فكان "يداري" أو "يباري" ببداهته، ولكن بقوة وجمال أي بيت من التريض وبسرعه، وهذا نادر الحدوث فيما أظن...

وقائلة مابال دمعك أسود

وإذا كان مبيضاً وأنت نحيل

فقلت لها جفت دموعي من البكا

وهذا سواد العين فهو يسيل

هكذا طلب منه أن يباري هذا البيت، والمباراة تعني أن يتردم هذا البيت إلى لون شعبي من الشعر يدعى "الأبوذيه" حينها تململ "ملا يوسف" وبعد دقائق تحركت شفتاه:

دمعك ليش أسود نشد ويسل

جاوبته سؤالك يعل ويسل

سواد العين هذا إيهمل ويسل

بعد ما خلص دمعي ونشف ميه

في أحد الأيام كان الحديث محتدماً، وجاداً حول موضوع لا أتذكره الآن، إذ دخل عليهم رجل يدعى "موسى الأعمى" كان رجلا مألوفاً بكوفيته المخططة بالأصفر، وسترته السمائية الداكنة، وعصاه وعينيه المبيضتين. لقد كان ضريراً أيضاً يجوب البيوت والدكاكين، وأحيانا يكلف بأعمال شاقة لقاء أجر، كأن يسلك مجرى مسدوداً أو يعمل الطين لرشق السطوح، كان رجلاً وحيداً، وقد فقد البصر منذ طفولته، وكان يجاهر بشكل خفي برجولته وقوته أملاً بإثارة أمرأة أو اثرة عطف أخرى.

وإذ دخل "موسى الأعمى" إلى الدكان، وكان الحديث محتدما، حدث كعادته ضاناً إنه فهم ما يجري، وكان تدخله وحديثه لا علاقة له بموضوعهم البته، مما أثار موجة من الضحك والفكاهة منهيا الحديث كله.

وشأن العراقيين فأن لكل حادثة مثل يضرب "موسى كض السالفه من..."

ومعناه ان "موسى" مسك الحكاية من المؤخرة.

هكذا علق أحدهم وألتفت أخر إلى "ملا يوسف" ما تعليقك يا أبا محمد هكذا ينادونه أحياناً، وكان "ملا يوسف" مرحاً مهتاجاً... متمتماً معيداً الكلام:

مسج بيها إيتفوح من سرمها

وما نعرف سراها من سرمها

إجا موسى ولزمها من سرمها

وخلاها تفر من بين إيديه

وكانت هذه الكلمات كفيلة بأن تجعل "موسى الأعمى" يدير ظهره مغتاضاً، متمتماً لاعناً ضارباً بعصاه، وسط الضحك والإهتياج وطلب الإعاده...

وصارت هذه الأبيات حديث الساعة، وحزورة الموسم، والملا يترجم الأسرار الثلاثة -نعم- هكذا قال، فالمسك يستخرج من سرة المها...

- هذا الأول ياملا!

- نعم، والمثل يقال للمرأة الجميلة، إذ تختلط طرائقها بطرائق أمها...

في ذات يوم أراد أحدهم أن يتحدى "ملا يوسف" متلاعباً

- ملا يوسف؟

- نعم! أجاب الملا.

ألقي المسدس جانباً

أو لست بالألحاظ تحرس

من عنده هذي العيون

ليس يحتاج المسدس

لم يهتز "ملا يوسف" كعادته، ولم يكن مرتاحاً لهذا الشعر قد يكون للمسدس الذي تكرر مرتين لا أعرف... إنما بدا متأثراً ومنزعجاً من أمر آخر، ولم يحر جواباً.

كان في ذلك اليوم مهموما... مضطربا ومشغول البال يتمتم بين لحظة وأخرى... وبعد لحظات أنتبه لنفسه، وقال

- أمهلوني هذا اليوم فأن بالي ليس معكم... سأباري هذا البيت سأباريه.

كانت أيام "الوشاش" ليست على مايرام كما هي حال الوطن كله إذ جرت مداهمات للبيوت هنا وهناك من قبل رجال الحكومة، وكان من بينها بيت أخي الخياط، أقفل الدكان بعدها عشرة أيام، مما أثار سخطاً  وإعجاباً وأصراراً على زيارة الدكان، وأتجهت الأحاديث إتجاها واحدا عن الأساطيل والحرب البارده، عن مصر وإيران، عن المصالح والمؤامرات. فكان "ملا يوسف" وسط المعمعمة بكل جوارحه:

هالفتن كلها "يدولار"

منك يانحس

هايمه العالم بحبك

سكارى ولا تحس

إفتنت كل الامم

وبينهه متحاربه

الخاليه منك محزنه

والتكسبك مطربه

وتهاوى فوك شخصك

كالذباب إعلى الدبس

طلقتك فاقت "بدولار"

على سلاح الجديد

تهتك وتفتك وترمي

بالرمي ترمي بعيد

حيث من لندن رموها

بلايه حس ولارعيد

وصابت "محمد مصدق"

والقته بنص الحبس

- سلمت ياملا! هكذا كانوا يقولون.

وتهدأ العاصفة، وتهدأ النفوس، وتعود الحياة إلى الدكان وتبدأ هنائه نسبية جديدة... ويستمر الحديث متفتحا... عارما و"ملا يوسف الخالدي" يتفجر، ويناكد ويأتي بصيحات، ويفكر بأشياء لم يفكر بها أحد، فتراه يشكك بنوايا شاعر قديم لأغنية شعبية شائعة:

يلماشيه بليل إلهلج

حولي عدنا الليله

بعيد الدرب شيوصلج

هوايه المسافه طويله

فهو يطعن بهذه الدعوه، ويرد على هذا الداعي لتلك السائره في الليل إلى أهلها، ويفضح نواياه بمرح وضرافه وشاعرية تتفتح لها صدور السامعين، وتخفق فيها قلوبهم فيقول:

يالماشيه بليل إلهلج

خفي الجدم وإمشي ولج

العازمج ما ينصحج

يمج يهفي بذيله

---------

هاي العزيمه محيله

والعازمج غايات إله

عندج موجد مكحله

وكصده يدخل ميله

وتنفجر موجة من الضحك والأعجاب والأشادة، والتمني بأن تطول الجلسات، ويعتصر هذا الرجل ويدون، ويلتفت أحدهم:

- ملا ماذا حل بصاحبة المسدس؟

هز "ملا يوسف" يديه مستنكراً:

- ياللنكته... من أين جئتم بهذا الشعر. لقد نظمت له في نفس الوقت وغصباً عني، ولكن لم أستطع أن  أعلنه إذا أحسست إنه غير لائق في ذلك الوقت العصيب.

من جناها... من جناها

شبح حرب الملامه من جناها

وما نعرف هندها من جناها

شلون عيون عندك من جناها

المسدس ما يحوجه لكل قضيه
---------------------------------

* الفرشي: نوع من الطابوق مربع وعريض واقل سمكا من الطابوق كانت ترصف به البيوت وللآن فنحن نتذكر ونفاخر ببرودته وعبقه عندما يرش مقارنة بما موجود في هذا الوقت.

 

 
 

الصفحة الرئيسية | قصائده | قصصه القصيرة | سيرة الشاعر | الشاعر رساماً | كتبوا عن الشاعر | سيناريو
جميع الحقوق محفوظة © 2006                                                                         hosted & designed by: The Red Elephant