الوحش كراز

     

 

 

لكل شيء حسابه في الحرب لكل الاخطار لكل الصعاب لكل الموانع، للبرد للجوع للغرق للاسلاك الشائكة للكمائن للألغام للأسلحة، لندعها للأسناد بقوة العدو للخطأ في التقدير.

وقد حدثنا التاريخ أن سبباً واحداً من هذه الأسباب قد أودى بحياة الالاف من البشر ودمر جيوشا بأكملها، فكل هذه الامور بحري تحسبها والاحتياط لها فيما إذ كان القائد العسكري حريص على أن يكتب النجاح لمهمته فيما لو فكر أن يهجم أو يثبت ويصمد بوجه الهجمومات المضاده.

أذ أن حساب هذه الامور وتجنب اخطارها هو تجنب للخسائر التي قد تحدث في صفوف مقاتليه الذين هم عماد مسيرته الشاقة.

إلا ماحدث معي إذ لا يمكن لأي قائد فذ أو أي ملجم وفي التاريخ العسكري كله أن يتنبأ ويتجنب الكارثه التي حلت بسريتي وبجنودي عاثري الحظ والتي أطاحت بي وبمنزلتي كضابط متميز.

كنت آمرا لسرية تجسير ومهمة هذه السرية هي أقامة الجسور العائمة في حالة وجود عوائق مائية، ويتكون هيكل السرية من مجموعة سيارات تجسير عملاقة تدعى "كراز" وكذلك مجموعة من الزوارق وأليات للحفر وتسوية الارض ورافعات شوكية وسيارات صغيرة اخرى ومعظم هذه الاليات الموجودة هو لخدمة ولتكملة المهمة التي تقوم بها سيارات التجسير العملاقة، أو لتمهيد الطريق لها وكانت "كراز" على هولها وقبحها فهي تتمتع بمزايا عجيبة فبالاضافة إلى ضخامتها لما تحمله من عبيء إذ تحمل جزء من جسر وهو جسم حديدي مكون من أربعة أجزاء مشدودة إلى بعضها، وكأنها تابوت ويدعى "البانثون" كانت تتمتع بمحرك عملاق هو الاخر ولها من القوه والصلابة والسلاسه والنعومه في الاشتغال مايندر وجوده في أحدث السيارات وأعتاها وستكون تلك المواصفات هي السبب في المأساة التي حلت بسريتي.

ورغم هذه الكفاءه التي تتحلى بها "كراز" فكان لها شكلا ينم عن وحشية في ذوق مصممها إذ كانت مكفهره حجريه وكأنها ساحره عجوز آتيه من زمن غير هذا الزمان. وكان يحلو لبعض الضباط المرحين أن يدعوها "الانسه كراز" لما يتوفر لها من خدمه وحمايه سواء كان ذلك خلال حركتها وفعاليتها أو في هجعتها وسكونها اذ كان يعمل لها موضعاً كبيرا بواسطة الحفارات تدس مقدمتها فيه تحسبا للغارات الجويه وكان موضعها منحدرا مسلوبا لتستطيع الخروج راجعة للخلف بسهوله.

وكان ملاك تلك السيارة جنديان أحدهم سائقها والاخر ما يعرف بـ"الجسار" وهو الذي يقوم بوضع المسامير الكبيره وشد الحبال عندما ينزلق "تابوت البانثون" ذاك وربطة بالبانثونات الاخرى ليتشكل الجسر المراد تشييده.

وكان مقدم السياره من السعه بحيث يمكن أن ينام فيه شخصان وبشكل مريح، السائق قرب المقود والى جانبه "الجسار" وأعتاد السائق خصوصا في الايام البارده أن يستيقظ قبل الفجر ويمد يده تلقائيا وهو شبه ممدد إلى مفتاح السياره بعد أن يحرك مغير السرعه حركه غير ملحوظة، ليدير المفتاح وتشتغل السياره ليشتغل معها جهاز التدفئه ويرجع متدثرا محاولا النوم وسواء نام بعد ذلك، أم لم ينم فأن الاثنان السائق والجسار ينعمان بالدفء بعض الوقت لينهضا بعد ساعة يتهيئان للتعداد الصباحي بعد ان يحلقا ذقنيهما وهم داخل السياره حيث الدفء ويرتديان ملابسهما، وكان هذا الامر يتكرر كل يوم من الاستيقاظ المبكر إلى إدارة مفتاح التشغيل.

وبينما كانت الحرب على أشدها كانت سريتي بمنأى عن النار والخطر، وكان أفرادها يعدون من المحسودين المحظوظين، اذ كان المكان الذي تتجحفل فيه السريه على حدود مدينة بعيدة عن الخطوط الاماميه سوى خوف قليل من حدوث غارة جوية، وهذا لم يحدث، ذلك إن مهمات هذه السرية على خطورتها فأنها نادره ومتباعده.

وكنا نعسكر على مساحه واسعه من الارض إذ كان عدد سيارات التجسير "كراز" يقترب من الخمسين وهي موزعه متفرقه منتكسه في مواضعها، والاليات الاخرى متباعده متفرقه هي الاخرى وثمة حانوت من الصفيح ومواضع كبيره للضباط تعلوها الخيم وكذلك موضع كبير كان بمثابة بهو للضباط وخيم للجنود موزعه هنا وهناك وموضع صغير للذخيره الخفيفه.

كان الجو باردا وقاسيا وهادئا في ذلك المساء عدا ماكان يحدث في الحانوت اذ كان جنود السريه مجتمعين هناك وهم في هرج ومرج وفرح واهازيج حينا، وكان قسم منهم ينتظرون التوقيع على أجازاتهم الدوريه، وكان من بين هؤلاء المنتظرين أحد سواق "كراز" وكانت أجازته هي أجازة الزواج، وكان هذا هو سبب الصخب الذي يحدث في الحانوت فهم يباركونه ويندرون عليه وماذا سيفعل بأجازته ويستحثونه أن يرفع رءوسهم ليلة العرس، وكان أحد الجنود منهمكا بترتيب قطع الحلوى في صينيه متوسطة الحجم خارجا بها متوجها إلى خيمة الضباط.

في الساعه العاشره ليلا هدأ كل شيء، فالجنود الذين كانوا ينتظرون أجازاتهم أقلتهم سيارة عسكرية إلى المدينة وإنسحب الباقون إلى خيمهم وسياراتهم، ومن بينهم "الجسار" الرجل الريفي الذي سينام في السيارة وحيداً هذه الليلة، وكان يفكر برفيقه السائق المجاز والذي سيتزوج بعد أيام.

كان الفجر غير بعيد إلا ان الظلام لازال يخيم على المكان حين أستيقظ "الجسار" وبحركة آليه أتكأ على إحدى يديه وأراد ان يقلد صاحبه ويفعل ما يفعله السائق كل يوم ولم يكن ذلك أمرا صعبا حسب ما بدا له لينعم بعض الوقت بالدفء فمد يده إلى مفتاح تشغيل السيارة، ولم ينتبه ولم يفكر أو يتذكر ماكان يفعله زميله بمغير السرعه فأدار المفتاح وكان مغير السرعه معشيا للحركه نحو الخلف واشتعلت السياره وهدر محركها وهم هو أن يغطي رأسه ويعود للنوم وأنه أحس أن السياره قد أهترت فأنتفض مزيحا الغطاء عنه برعب ورأى أن السياره تسير متباطئة نحو الخلف:

كانت "كراز" قد انتزعت نفسها وخرجت من الموضع راجعة مثل حيوان أعمى كان في سبات، ولم يعرف "الجسار" وسط الخوف والارتباك ماهو فاعل إنما أنصب همه إلى أن يخرج من السياره بأية صورة ولم تمض لحظات إلا وهو يفتح الباب ويقفز إلى الارض وأصطفق الباب خلفه منغلقا والذي لا يمكن فتحه الا بواسطة المقبض الذي ترك في الداخل كان يصرخ ويصيح بأن السياره تسير إلى الخلف ورغم علو صراخه ومرارته وارتباكه، إلا انه كان يبدو صراخا عبثيا في ذلك الهدوء والظلام البارد.

وأنتبه "الجسار" إلى إن السياره متجهه نحو كوم من الاعمده الخشبيه الطويلة وفكر أن هذا سيوقفها وتوقف هو عن الصراخ لحظات مترقبا متوجسا جاثيا على ركبتيه إلا أن أمله قد خاب عندما ديست الاعمده وتهشمت وتطايرت وكأنها أعواد الثقاب أمام هول أطارات "كراز" الجبارة، وضخامتها، فعاود الصراخ وبقوة وأخذ يركض قبلها وصراخه يعلو ويشتد ويتحول إلى بكاء عندما رأى أن السيارة متجهة نحو الخيمة الكبيرة، والتي كان ينام فيها الكثير من الجنود منهم السواق الاحتياط، وجنود القلم وآخرين واتجه إلى الخيمه، وهو يضربها صارخا ببعضهم أستيقظوا أن سيارة تسير إلى الخلف، كان أحد الجنود النائمين في الخيمة قد أستيقظ على الصراخ إلا أنه أنقلب على جنبه متثاقلا مفكرا بأنه لابد أن أحدا قد جن في هذه اللحظه.

كانت "كراز" قد جذبت أول فريسه لها وداست حاشية الخيمه التي انهارت وسمعت بعدها قرقعه العظام وهي تهرس تحت ثقل الاطارات العمياء وتمر على السيقان والاكتاف ورؤوس الجنود الذين كانوا ينامون متقابلين ومتفرقين واصطبغت الخيمة ببقع الدم هنا وهناك وعلا من تحتها الصراخ والانين وطلب النجده، كان ثلاثه أو اكثر قد نجوا في هذه الخيمة ومن بينهم نائب ضابط والذي أخذ يهرول صارخاً محذرا الضباط والاخرين.

كانت "كراز" تتهادى كعملاق مخبول غير مبال وكانت تتجه الان نحو الحانوت الذي كان ينام فيه ثلاثة من الجنود وقرقع الصفيح تحت أقدامها وتلوى وتكسر واستوى إلا ان اطارها مر بالقرب من الجنود الثلاثه الذين علقوا بالواح الصفيح التي أطبقت عليهم ظانين أنها غارة جوية وعلا صراخهم وعويلهم.

في تلك اللحظة أستيقطت، وأنا أسمع أن هناك جلبة غير عادية. كان موضعي قريب من الحانوت وفجأه سمعت أن أحدا يصرخ فوقي ويد قويه تمتد نحوي وتسحبني سيدي أخرج من الموضع، سيدي أخرج من الموضع. فوثبت مساعدا أياه خارجا وسحبني بعيدا وأنا أنظر ذاهلا إلى تلك الكبيرة الرعناء تزحف نحو موضعي وتسحقه سحقا أو تولج في الموقف بسرعة سيارة "كراز" تسير إلى الخلف دون سائق كيف حدث ذلك لا أحد يعلم وعويل وصراخ يملأ المكان كان الكل يصيح ويولول الناجين وغير الناجين الضباط والجنود واكتاف مخلوعه وأرجل مهروسه وصدور وروؤس مهشمه وكان عدد كبير من الجنود مشغولين بضحايا الخيمة الكبيره.

كان بالامكان في تلك اللحظه إيقاظ وتحذير الخيمة لأن عددا كبيرا من الجنود والضباط وضباط الصف قد خرجوا من مواضعهم وخيمهم إلا أن الرعب والهلع والمفاجأه التي أصابت الجميع جعلتهم يصرخون ويولولون عاجزين عن الأتيان بأية فكرة قد توقف السيارة التي داست الان الخيمه الصغيره التي كان ينام فيها الحلاق لوحده وحين أبتعدت وهرع أحد الجنود ليرى ما حدث للحلاق وحين أزاح الخيمه وجده سالما لا يزال يغط في النوم اذ توسطت الخيمة الصغيرة الاطارات عندما حيته "كراز".

شعرت بهول المسؤوليه والواجب إذ يحتم علي أنا بالذات أن أوقف هذا الحيوان الهائج، وفكرت أن يعترض طريقها "الشفل" وصرخت بالنائب الضابط... "الشفل" وكان على مقربه وهدر محرك الشفل ومشى بسرعه متوجها إلى "كراز" وبدا لي ضئيلا أزاءها، ولكنه كان يتحين ويتربص بها كالديك. وعندما ضرب مؤخرتها أحدث الارتطام صوتا مدويا إلا أن المواجهه يبدو لم تكن مستقيمة لخوف السائق فأزاحته من طريقها وكادت أن تقلبه وأحسست كأنها تهزأ بي وتهينني. وكانت في تلك اللحظة تتجه نحو محرك الذخيرة الذي كان يحوي خراطيش متنوعه للبنادق وكمية كبيرة من القنابل اليدويه، وفكرت بأنها تتجه نحو نهايتها وتقود نفسها إلى حتفها وتخيلت فرحتي ومتعتي بمرأى أشلاءها تتطاير مزقا في الهواء، وأمرت الجنود بالابتعاد والانبطاح وديس الموضع وتدحرجت القنابل واحتك بعضها ببعض وتفجر قسم منها محدثاً تمزقات كبيره في أطارات الجهه الخلفية اليمنى إلا ان القنابل الصغيره لم تستطع أن تصيب منها مقتلا، فأخذت تسير مائلة تترنح واطاراتها تحترق وتتطاير وأمرت الجنود بأحضار المطافىء واخماد النار.

ووسط الهستريا التي أصابت الجميع، ركض أحد الضباط ببندقيته الرشاش وأخذ يطلق النار على أطارات "كراز" ومزقها جميعها ثم وقف بمواجهتها وصوب النار على محركها وأخذت "كراز" تزأر وهي تتراجع بصعوبه وأضيفت لذلك الزئير أصوات الاطارات وهي تطرطق، وتتمزق وتسربلت الارض بالماء والزيت الذي كان ينهمر من محركها إلا أنها ظلت تمشي وتترنح مثل وحش مثخن بالجراح. وأخيرا واتتني الفكره التي كان علي أن أفكر  فيها من اللحظة الأولى لولا الهلع وفقدان الصواب، وهي ضرب الوحش في رأسه والدخول إلى السياره وإدارة المفتاح وأطفاءها. وتيقنت بعد ذلك أن هذه الفكرة قد غابت عن بالي وبال الجميع لبساطتها.

إلا أن الابواب كانت مغلقة فلابد من كسر زجاجها والتسلل إلى داخلها واطفاءها فأمسكت بعمود كبير وركضت به نحو زجاج الباب واندفعت بكل قوتي وارتطم العمود بالزجاج إلا انه أرتد وطرحني أرضا وأنتبهت أن التكتيك الذي مارسته في ضرب الزجاج كان خاطئا، فلوحت بالعمود مرة ومرتين، وهو يتشابك وإذا بالزجاج يتحطم ويتهشم بالكاحل وأحسست بأني فقأت عين التنين وسبقني أحد الجنود متسللا إلى داخلها ليطفئها.

وتوقفت "كراز" وكأنها وحش يربح وينهد ناظراً إلى بعين واحدة متحديا بعد أن أشبع نهمه في القتل والتخريب كان صوت سيارات الاسعاف قد سمع قبل ذلك وكانت الحركه غير عاديه في ذلك الفجر المشؤوم وكانت فعالية "كراز" قد أستغرقت أقل من ربع ساعة، إلا أنها مسحت عشرات من السنين الآدمية.

 
 

الصفحة الرئيسية | قصائده | قصصه القصيرة | سيرة الشاعر | الشاعر رساماً | كتبوا عن الشاعر | سيناريو
جميع الحقوق محفوظة © 2006                                                                         hosted & designed by: The Red Elephant