تمثال في كاني ماران

     

 

 

هذه ناحية "سر قلعه" التابعة لقضاء "كفري" في منطقة "كركوك" ذات المرافق الحياتية البسيطة والتي تشترك بشبه وبكثير من الاحوال بكل نواحي العراق شماله وجنوبه، من حيث الاهمال والذي يبدو وكأنه متعمداً... ومن حيث الأسواق الفقيرة والدكاكين القديمة المعوجة والمطاعم والممرات الآسنة والناس القدامى.

وتشترك بشبه حتى بأسماءها فهناك "قلعة سكر" "وقلعة صالح" وغيرها وسبب ذلك ولا شك لما ابتلى به العراق من أضطراره لبناء القلاع.

وأنه يبدو أمراً ملفتاً للنظر ولا شك لغريب عن هذه الناحية القصية، أن يلقى جندي تابع بجيش الحكومه من كل أفراد هذه المنطقة واللذين كلهم من الأكراد وهو رجل من الجنوب بترحيب فوق العادة وإحترام يفوق الحدود، كان رجلاً مشهوراً عندهم وكان مثار حب وإعتزاز أينما حل.

وإن إشترى شيئاً من الخضراوات أو تغدى في مطعم أو شرب الشاي فأنهم يأبون أن يأخذوا ثمن ذلك وهو بدوره يأبى إباءً صادقاً، وقلما كانوا يفلحون في مسعاهم، وكان ذلك يزيد من الحفاوة والترحيب والفرح لملاقاته.

كان رجلاً طويلاً ممتلئاً أحمر الوجه مفتل الشعر أشعثه، وليس نادراً أن يرى رجلا من جنوب العراق بهذه الصوره.

كنت أعرفه لأنني كنت معه وأعرف سبب هذا السلوك وهذه المشاعر إزاءه من أهل الناحيه وأن أبوح بأسمه الغريب كهيئته الغريبة فأني لم أصنع شيئاً من الخيال وسوف لن أتكلم عن خواطر وهموم، إنما أتكلم عن أمر عشته معه وهو الذي أطلق شهرته ولا أزيد عليه... وأتكلم عن رجل عرفته وعملت معه وأحببته هو "حبشان عجيل عفريت".

كان ذلك في سنة خمس وثمانون وكان صنفي في الجيش "مخابراً" في رعيل للمدرعات وصنف "حبشان" هو "رامي درع" في نفس الرعيل. وكنا متجحفلين مع فوج للمشاة من أفواج الحدود في منطقة شبه جبلية متفرقة الخضرة تبعد خمسة عشر كيلو متراً عن قرية تسمى "كاني ماران" ومعناها ينبوع الأفاعي وهي تابعة للناحية التي أشتهر بها "حبشان" ناحية "سر قلعة".

فوجئنا ذات يوم بالتحرك نحو هذه القرية فوج المشاة والرعيل المدرع، وسبب التحرك فيما عرفناه بعد ذلك إن مصادمة وقعت في الليلة الماضية بين الجيش ومسلحين أكراد. أسفرت عن مقتل ضابط وحامت الشكوك بأن المسلحين الأكراد أنما أنطلقوا من هذه القرية.

وطالما مسحت قرى وهدت أخرى بسبب شكوك كهذي.

كان رعيلنا المدرع مكون من ثلاث مدرعات إثنان منها عاطله ومدرعتنا الوحيدة الصالحة للعمل والتي كنت مخابرها و "حبشان" الرامي فيها.

كانت مدرعة من نوع "بنهارت" تسعون ملم فرنسية الصنع تطلق نوعين من القذائف، إحداها نسميه "مهداد" أو المهداد حال إنفجارها فأنها تنشطر لآلاف الشضايا ليكون الفتك أكبر وأشد.

كان المقرر أن يكون الهجوم على القرية في الساعة العاشرة صباحاً. وعسكرنا على مقربة فكنا نرى القرية ونرى بيوتها وفي حالة كهذه يحضر إلى جانب آمر الجيش المسؤول الحزبي، لأسباب كنا نجهلها وكنا نجهل الحركة والنشاط للضباط وضباط الصف وفيما نحن بالانتظار وبعد أن أخذ كل فصيل مكانه وهدأت الجلبة بعد رحلة ليست طويلة وغير متعبة فلم تكن أحمالنا ثقيلة ذلك لأن إنتقالنا مؤقتا...

دوى صوت آمر الفوج... كان صوتاً قوياً صارماً لكنه خالياً من السياقات العسكرية:

- حبشان

- نعم سيدي

- صدرت الأوامر بأن تطلق ثلاثة مهداد على القرية

حدق حبشان في آمره بضعة لحظات...

كان هذا الضابط قد شارف على الأربعين من عمره وسيما حليقاً وعينين محمرتين متعبتين وكان سخياً مع جنوده محباً للنظام رغم أن مكتبه لا يخلو من زجاجة أو زجاجتين من الويسكي وكان همساً يدور بين الجنود بأنه يبدأ الشرب منذ الصباح رغم أنه لم يلاحظ أن لديه متطلبات أضافيه سوى ما يلاحظه المراسل من كثرة أعقاب السكائر عندما ينظف الغرفه، كادت هذه اللحظات السريعة التي حدق فيها "حبشان" أن تحدث إرتباكاً بالضبط العسكري إلا ان الضابط أستدرك:

- هم.. مستعد؟

- سيدي من يرمي ثلاثة مهداد على القرية؟ هكذا تكلم "حبشان"

- من يرمي!!!؟ إلتفت الضابط شمالاً ويميناُ ثم أردف:

- أهناك مدرعة صالحة غير مدرعتك...؟ أهناك أحد غيرك؟ وعلام أنت متجحفل مع الفوج؟

أجاب حبشان بهدوء:

- حسناً سيدي أنني لا أستطيع الرمي!

- لا تستطيع أتهذي انت ياهذا ... كيف... ماذا... لا تعرف؟

- أعرف سيدي... ولكنني لا أرمي

- هذا أمر عسكري ياحبشان ياغضباً أسود!

- سيدي سواء كان أمراً عسكرياً أو غيره فأني لن أرمي هؤلاء سيدي أنني رجل يخاف الله

- أتعرف عاقبة عصيان الأوامر؟

حبشان مذهولاً:

- "أتصدق أم تكذب" سيدي أرمي هؤلاء الناس وأنا لا أعرف أحد منهم وليس لي عداء مع أحد منهم.

في هذه اللحظة تحرك المسؤول الحزبي بعد أن كانت أنفاسه متوقفة وكذلك أنفاس نائب الضابط وكانت صدور الجنود تعلو وتهبط وقلوبهم تضطرب منتظرين مذعورين:

- أن عقوبة عصيان الأوامر هي الاعدام يا "سيد حبشان"

هكذا تكلم المسؤول الحزبي متهكما.

ألتفت "حبشان" الى آمر الفوج:

- سيدي من أين لي أن اعرف أين ستسقط "المهاديد" الثلاثة على رؤوس الاطفال...على النساء...؟

إلتفت الآمر الى نائب الضابط:

- قدمه إلي مذنباً غداً صباحاً.

وهكذا تعطل الهجوم، وإنسحب الآمر والمسؤول الحزبي مضطربين مسرعين سرعة مفتعلة.

وتحلق الجنود الذين كان من بينهم أكراداً كذلك حول "حبشان" وكان هو يردد:

- أرمي.. كيف أرمي..؟ أرمي البيوت؟ أرمي الناس؟

شوهدت سيارة المسؤول الحزبي تنسحب بعد الغداء مخلفة وراءها غباراً خفيفاً. ولم يظهر آمر الفوج طيلة اليوم مما أضاف للساعات التي مرت قسوةً وقلقاً.

كان ليلاً مقمراً ذلك الليل وكانت الليالي المقمرة كالحرز بالنسبة للجنود لأنها تبعث الطمأنينة والنوم الهادئ وتبعد أشباح الليالي الحالكة، إلا ذلك الليل كان ثقيلاً وموجعاً وكابوساً لا نهائياً، وأنزوى "حبشان" في ساتره إذ كانت أحاديث الجنود معه مقتضبة أيما أقتضاب.

كان هناك شعور أقرب ما يكون شعور بالعار هذا ما كنت أشعر به على الأقل لأني، لا أتحدث عن شيء لم أره، ولا أدري ما جال في رأس الرجل الأحمر الأشعث المنحدر من الجنوب ومن "قلعة صالح" بالذات وصاحب الأبناء الثلاثة، سوى أن "حبشان" كان يشبه كثيرين نصادفهم في حياتنا، أناس غير متعلمين، وليست لديهم ثقافة رغم ذلك فأن لهم شخصية ثابتة، وملامح قوية وأراء ظريفة يحسدون عليها ونحبهم لأجلها.

كان "لحبشان" في يومه آراء ثابتة يسوق الحجة تلو الحجة لإقناعنا بصحتها، بغض النظر عن أتفاقك معه أو عدمه. كان صادقاً وشجاعاً وطيباً، وكان يهابه كل المهابة جنود معنا من أبناء منطقته، وكانوا يستغربون عندما أختلف معه وأحتد عليه. وإذ خيرته يوماً بين أثنين من المحرمات التي هو بعيد عنها فأنه أختار القمار على الخمر وقال:

- إن الخمر خسارة دائمة، أنت على يقين منها. أما القمار فهناك إحتمال للربح.. كانت حججه بسيطة وواضحة وطريقته هذه في الحياة هي التي صورت له ولاشك ما بذلك الأمر العسكري، وما بذلك الهدف من شذوذ، بيوت ساكنة لا حراك فيها كيف أرميها؟

كان الكل متيقظاً تقريباً، عندما شوهد وهو يتوضأ عند الفجر..

وفي الساعة التاسعة صباحاً أقتيد حبشان "حاسر الرأس" بصحبة نائب الضابط، وأدخل إلى غرفة الآمر وكان الكل ينتظر... والكل مضطرب... وكنت أنا على ما أظن أكثرهم خوفاً وإضطراباً.

إلا أن "حبشان" قطع هذا الاضطراب بعد دقائق عندما رأيناه يخرج من الغرفة بنفس السحنة التي دخل فيها وهب الجميع لملاقاته:

- حبشان ماذا..؟

- ماذا قال الضابط؟

 - ها... مجلس عسكري؟

 - لا شيء إن نشاء الله..!

هذا ما كان عليه الجنود.

إن الأيام التي عشتها برفقة "حبشان" علمتني أن لا أستغرب مفاجئاته، ولكن مهما فكرت وخمنت ما أسفر عن لقائه بالضابط، فأنه لم يخطر ببالي أنه سيتفوه بمثل ما حصل.

إذ أجاب بكلمة واحدة... كلمة غاية في العذوبة... ولكنها كانت مدوية كالمهداد الذي أبى أن يطلقه على القرية إذ التفت مبتسماً للجميع، وقال موجهاً الكلام لي:

- قبّـلني!

إنسابت هذه الكلمة بسرعة، وتسائل وأستغراب وأهتز الجمع المتحلق حوله:

- كيف..؟من..؟ الضابط؟

لم يقدر أحد أن يبت وسط الدهشة والقلوب المضطربة فيما إذا كان "حبشان" جاداً أم هازلاً...

إلا أنه أدار ظهره للجميع ومشى وسط اللغط:

- نعم قبّـلني!

 

 
 

الصفحة الرئيسية | قصائده | قصصه القصيرة | سيرة الشاعر | الشاعر رساماً | كتبوا عن الشاعر | سيناريو
جميع الحقوق محفوظة © 2006                                                                         hosted & designed by: The Red Elephant