الأمر الذي حدث وبدل عادتي السيئة

     

 

 

قال أبا عثمان عمر بن بحر رحمه الله:

اللهم أنا أعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل ونعوذ بك من التكلف لما لا نحس كما أعوذ بك من العجب بما نحس ونعوذ بك من السلاطة والهذر كما نعوذ بك من العي والحصر.

وقال الشاعر:

ما ندمت على سكوتي مرة ولقد ندمت على الكلام مرارا.

أنا رجل فوق الثلاثين بقليل حياته بسيطة صريحة هادئة نسبياً، أملك بيتا لا بأس به وحديقته لا بأس بها أيضا وزوجة جميلة قانعه وثلاثة أولاد إلا أني تعودت السهر بشكل دائم خارج البيت وكان هذا أمراً سيئاً وأنا أعلم ذلك خصوصا بالنسبة لزوجتي ولشقيقي الذي يسكن معي "والمتمومن" حديثا إلا إن أمرا بسيطا حدث بالمصادفة قد عدل تلك العادة السيئة.

والحقيقة هما أمران حدثا في يوم واحد إلا اني سأسمي ذلك حدثاً واحدا.

وها أني منذ مدة أعود إلى البيت مساءا ولا اخرج بعد ذلك واصبحت لا أرى رفقائي الذين كنت أسهر وأياهم إلا مرة واحدة في الاسبوع وكان أغلبهم أخوة ثرثارون وليسوا أصدقاء.

وكل هذا بسبب تلك الحادثة البسيطة التي وقعت بالمصادفة وبدلت عادتي السيئة والتي كنت سأرويها وتنتهي القصة كما يقال وحتى لا أثقل على قارئي إلا بسطور قليلة، ذلك أني كنت أود أن أدعي الود وأحاول أن لا أكون ثرثارا مثل أخوتي الثرثارين الذين سأتحدث عنهم فيما بعد، لعلاقة ذلك بالأمر الذي حدث بالمصادفة وبدل عادتي السيئة.

وأن أكون ثرثارا أو غيره، فكما هو معروف أن هذا الأمر يجب أن يبت به الآخرون لا أنا لذا لا أعلم فيما إذا كنت ثرثارا أم لا.

فالثرثرة لها أشكال عديدة ولها أبطال متنوعون والثرثار هو الذي يريد أن يوصلك إلى أمر ما إلا أنه لا يترك هامشا ولا سبيلا ولا طريقا لا علاقة له بموضوعه إلا ويأتي عليه.

هذا مع ذلك قد يكون ثرثارا محتملا إلى حد ما ولكن هناك ثرثرة لا معنى لها بالتمام.

في يوم أراد أحدهم أن يخبرني بأنه قصد موظفاً كبيراً بتوصية وكانت له حاجة وأستقبله الموظف حينها وقضى حاجته وهذا كل ما في الامر إلا إنه بدأ حديثه قائلا أنتظرت في غرفة سكرتير الموظف الكبير زهاء ربع ساعة بعدها أدخلني عليه وسلمت وأخبرته أن فلانا يخصه بالسلام وهو الذي أرسلني إليه. حينها رحب بي ترحيباً خاصا ودعاني للجلوس مرحباً بي، وضغط زر الجرس ودخل الفراش وطلب منه أن يجلب شايا ووضع الفراش أستكان الشاي أمامي فجعلت أخوطه.. وأخوطه بعدها نظرت ووجدت أنه لا زالت هناك في قعر الاستكان حبات من السكر غير مذابه فما كان مني إلا أن عدت أخوط... وأخوط... وأخوط وظل صاحبنا  هذا "يخوط" إلى نهاية تلك الحادثه السخيفة.

وأني إذ أوشكت أن أتحدث عن الأمر الذي حدث بالمصادفه وبدل عادتي السيئة فذلك تجنبا "للخوط" وقد يعتبرني البعض أني بدأت "أخوط" فعلا لكني حقا أكره الثرثرة لإعتقادي بأن الثرثار لا بد أن يكون شخصا مملا أذا قدر أن يكون بالقرب منك ذلك أن أفعاله الثقيل الزائدة لا بد لها من مسوغ وتبرير، لذا فأنه يزهق روحك في كل الاحوال والثرثار غالبا ما يؤمن بالخرافات التي هي جزء من بضاعته وغالبا ما يكون ناكثاً لعهوده ناكرا لها ويأتي بالضد مما قاله بالأمس. والثرثرة يعزيها البعض للكبت القديم ويعزيها آخرون لإنعدام الثقة بالنفس حيث أن وقودها  الذي يديمها هو الكذب. إلا أن هناك ثرثرة متنوعه بعناية ومضبوطة، وتنطوي على خيال وخرافة رغم أنها

مؤلفة وغير صحيحة، وهناك من أشتهر بهذا النوع وأصبح من تراثنا الشعبي العزيز.

أحدهم رجل يدعى "أبراهيم عرب" كان رجلا واسع الخيال ويتحدث عن بطولات ومغامرات وفنتازيات عجيبة تحدث له، ويقف من مستمعيه موقف "القصخون" وعندما يتحدث فأن أحدا لا يجرأ على مقاطعته أو سؤاله، إذ كان رجلاً قوياً مخيفا. ولندعه يتحدث عن إحدى صولاته وجولاته قال:

- دعينا إلى الولايات المتحدة الأمريكية كان ذلك في عهد "نكسون" ووصلت إلى هناك. كيف وصل "إبراهيم عرب" إلى أمريكا؟ وبأي طريقة؟ لا يحق لأحد سؤاله. ويستطرد:

- دخلت إلى البيت الابيض، ونهض "نكسون" حينها رافعا ذراعيه مرحباً: أين أنت يا إبراهيم لم هذه الغيبة؟ لماذا تتركنا وحدنا وسط المشاكل؟ هذه فيتنام وغيرها.. فقلت إن لي مشاكلي أيضا ياصديقي وجلسنا نتحدث وتغدينا بعدها خرجنا من البيت الأبيض بسيارة مكشوفة، أنا و "نكسون" في الخلف والسائق وإلى جانبه مرافق بالزي الرسمي وكان الشعب الامريكي قد خرج مرحباً عن بكرة أبيه حينها إقترب صحفياً أمريكيا من المرافق الذي بجانب السائق سائلا إياه:

- من هذا الرجل الواقف إلى جانب "إبراهيم عرب" مشيرا الى "نكسون"؟

وحالما يلتفت كل واحد منا فسيرى الكثيرين من هؤلاء وسيرى تنوعا في هذا الفن العجيب"

فهذا رجل يدعى "أبا داليا" كان رجلا متزنا إلا في أحاديثه إذ كانت عجيبه وغير متزنة تماما ففي يوم من الايام حل عليه صديقا وبصورة مفاجئة. هكذا بدأ "ابو داليا":

- ولم يكن لدي ما يمكن أن أقدمه لضيفي وقت الغداء، وتحيرت إلا أنني صليت ركعتين ودعوت من الله ان ينقذني من هذه الورطة، ولما فرغت من صلاتي فتحت صنبور الماء الذي كان يتوسط فناء الدار وإذا بسمكة من نوع البني تنزلق من الصنبور مع الماء وتبعتها أخرى وأخرى وإذا بعشر سمكات يتكومن وسط الحوض فحمدت الله وغديت ضيفي، ووزعت الباقي على الجيران.

وهذا النوع من الثرثرة على إنه ملئ بالكذب واللامعقول، إلا انه غير ضار وغير مؤذ بك إنه مقيد بحال من الاحوال حيث ينتمي ويرقد أدب النكتة التي هي مرآة لأحوال الناس. إلا ان الطامة الكبرى عندما يكون الثرثار رئيساً وحاكماً، وقد سمعت عن حاكم لدولة في زمن من الازمان، وكان بحق نموذج لكل حاكم ثرثار. وانه بحكم كونه حاكما لتلك البلاد ومسيطرا على أحوال شعبها فأن ضرره يكون فادحا بجسامة منصبه.

كان ثرثاراً مفلتا لا يلويه شيء ولا يقف بوجه ثرثرته وأوامره الهوجاء أي رادع إذ أحاط نفسه بحفنة من العقول التي لا عمل لها سوى مد الرؤوس والاصغاء وأن ابدعت فأنها تضيف إلى أصغائها نعم...نعم. وكان هذا الحاكم ثرثارا حتى بسلوكه فهو دائم الظهور دائم الحديث متنوع المظاهر متنوع الوقوف متنوع الجلوس موزعة صوره في كل شارع وكل ميدان وتسجل ثرثرته وتذاع على الناس عنوة بمناسبة ودون مناسبة وتطبع خطبه الطويلة المملة بكتب أنيقة مكلفه. رغم أن أحدا لا يقرأها وحين يخطب فهو يلعن هذا الحاكم ويشتم ذاك، ويعيب على رئيس لا يعجبه ويهدد آخر. وقد كلفته ثرثرته تلك ثمنا باهضا وكلفت شعبه كذلك إذ أجتمعت عليه أقوام مختلفة ونتفت ريشه كما نتفت القرده ريش الغرابة في قصة "ابن المقفع" ولمثل هذا الثرثار والذين على شاكلته ليس هناك مكان في التاريخ إلا كيس نفاياته إلا إن صفحات التاريخ الكثيرة نجدها قد ملئت بالحديث عن المقلين والموجزين كركزين المفجرين المعاني بأقل الكلام عن أعراب مجهولين إلى ولاة إلى أنبياء إلى ثوار خارجين...

وأن خشيتي من هذه الاطاله تزداد شيئا فشيئا، وهي التي تدفعني للحديث وبسرعة عن الأمر الذي حدث بالمصادفة وبدل عادتي السيئه.

وإن عدلت في نفس الوقت عن رواية تلك الحادثه فمرة أخرى كرهي، أو الادعاء بالكره للثرثره والاستمرار بفضحها، وتذكري لثرثرة سيئة أخرى لكنها ليست بسوء ثرثرة الحكام وهي ثرثرة النساء إذ أن ضررها محصور بأنه يجلب قلة الاحترام والاسفاف واللا أنتباه رغم ما يسببه أحيانا من إيقاع الشقاق والكره بين السذج الذين يصنعون لمثل تلك الثرثرة، وأن الاطلاق بأن المرأة ثرثاره بطبعها إن هو إلا رأي فيه شيء من المبالغة واللا دقة والمرأة لها أعذارها والبيت هو الذي قلم أظافرها وشوش فكرها وقد عرفت رجلا قضى سني شبابه في السجن وكان هذا لا يكف عن الحديث الفارغ ويعيد القصة نفسها مرات ومرات وبلا وعي منه. وحتى الشعوب حينما تقهر وتكبت تكون الثرثره هي ملاذها وعلنها في الوقت نفسه وان وجد قارئي بأني أطلت تأجيل رواية الحادثة التي وقعت بالمصادفة وبدلت عادتي السيئة، فذلك بسبب حقدي الشديد على  الثرثره والثرثارين رغم اعتقادي بأن الثرثار لا يشعر بأنه ثرثار، وتراه غير محب للاستماع والاصغاء لذا فهو قليل الاستفاده وينجم عن ذلك بأن آراءه وإجتهاداته غالبا ما تكون غير مسؤولة واحيانا محرفة. والاخبار التي يسمعها يقلبها على هواه وحتى في قراءاته فيما لو كان قارئا فأنه يستفيد أستفاده مشوهه، وتراه لا يتوخى الحذر في الحديث عن المسائل الكبيره والخطره.

كما كان يجب علي ان أتوخى الحذر في الحديث عما أعتبرهم ثرثارين مشهورين بمناسبة الحديث عن القراءه وقبل أن أحكي عن الأمر الذي حدث بالمصادفة وبدل عادتي السيئه. وهؤلاء هم كتاب مشهورون فكتاب مثل "شارع السردين المعلب" وأخرى لكاتب امريكي شهير ان هي بأعتقادي الا ثرثره اكيده وغير مضبوطه وغير مقضيه وتختلف عن ثرثره اخرى لكاتب أمريكي لاتيني في بعض ما قرأت له خصوصا رواية "في ساعة نحس" فهذا مولع بملاحقة شخوصه حتى في المباول رغم أنه في مواطن أخرى ثرثار جموح خيالي وجاهد لأن يفضي إلى مايريد وثرثرة مشهوره اخرى لكاتب مشهور آخر في رواية "السأم" مثلا، فأنها ثرثرة مملة وقد وضع فيها الجنس موضع الصداره كما يقال ألا انها مليئه بالاعاده والدوران والترف الذي يثير "السأم" والانزعاج.

ومادمت بصدد الكتاب والكتابه والثرثره تلاحقني فأني انظر لكل اثر فني عظيم نظرتي الى جوهره ثمينة تومض في كل مره بلون جميل خاطف كذلك الاثر الفني فأنه يبرق ويومض كلما نظرت اليه من جهة فتارة تراه خياليا واخرى واقعيا ومره تراه طبيعيا واخرى غرائبيا محلقا وانني اجد الالوان تلك في معظم الاعمال الخالده ومنذ القدم واجد السرياليه موجوده حتى عند الشعراء الاغريق. وأجد كذلك في رواية "عمال البحر" لمحات مما سماه البعض بالمدرسة الجديدة للقصة القصيره. وقد تزعم ذلك ثرثار وثرثاره من فرنسا، وما أكثرهم في تلك البلاد والثرثارون أضروا كثيرا ببريق الجوهره عندما حاولوا أن ينتزعوه وجلك مثلما حاول ثرثار اخر ان ينتزع السرياليه من منابتها الكثيره ويحملها وحدها ويتبناها وحدها وينظر لها وبمذهبها وأنك ما ان تمذهب الشيء فأنك تقتله وتبتذله ولكن هذا والعياذ بالله شأن "ثرثاري".

وأن أعتقاداتي تلك عن الكتاب تنفلت وبلا رادع لتصور لي ان رواية "المراهق" للكاتب العظيم "دستويفسكي" أن هي إلا محض ثرثرة صافية. وأني إذ وصلت إلى هذه النقطة وجدت بأنه كان لزاما علي أن أتحدث عن الأمر الذي حدث معي وبدل عادتي السيئة قبل ان "أخوط" بمواضيع لا علاقة بها إذ ما معنى ومن أنا لأعطي آراء وترهات عن كتٌاب كبار مثل أولئك لو لا أنني ربما أردت وبشكل خفي أن أبين لقارئي بأني رجلا متشعب القراءات واسعها وهذا هو شأن الثرثارين إذ ما أن يصبح الحديث فكريا أو حياتيا حتى ينهال عليك الثرثار بذكر الاسماء الرنانه لكتاب كبار أو فلاسفة.

وكان من بين تلك الرفقة الثرثارة التي كنت أسهر بينها واحدا من هؤلاء الذي طالما أنهال علينا بالعناوين والاسماء والكلمات الكبيره الفارغة.

وكان من بينهم أيضا ثرثار مغرض وهذا النوع عادة ما يثرثر بهمس منزويا بشخص واحد ولا يرتفع صوته الا بعد أن يكون برفقة أثنين أو أكثر، وكان بينهم ثرثار ثالث، وهو شخص عزيز إلى نفسي وكان رجلا مثقفا، ويكبرني بسنين، لذا كنت أكن له كثير من الاحترام رغم المشادات التي تحدث أحيانا ورغم أنه يعتبرني على ما أعتقد غريم له في الحديث ذلك لمجادلاتي السخيفة وأياه إلا ان ذلك لم يمنع الود والاحترام الذي كنا نتبادله لولا ساعة الشيطان التي حلت بيننا ذلك اليوم وعكرت صفو مياهنا.

إذ بينما كان مسترسلا بالحديث أتى إلي خبر عن أهل "الحله" وهو أنهم لا يأكلون "الفجل" معللا ذلك بأن أحد ولاتها في زمان غابر كان يعاقب رجالها عقابا غريبا وهو وضع رؤوس "الفجل" في أدبارهم لذا فأن أهل هذه المدينة قد حلت وترسخت لديهم عقدة "الفجل" ولعنته، ولم يأكلوه من حينها.

وإني إذ رأيت هذه الروايه حسب أعتقادي غير صحيحة وسخيفة، ذلك أن أهل "الحله" غير بعيدين عنا وصادف أن عرفنا الكثير منهم ومن بينهم كذلك أصدقاء لنا ولم نلاحظ عليهم هذا الامر يوما.

وما إن واجهت صاحبي بتلك الملاحظات حتى أنبرى شاتما ولاعنا اللحظة التي عرفني بها متهما إياي بالخبث والتعمد بمقاطعته وتكذيبه، رغم إن إثنان أو أكثر كانوا من رأيي.

وقد جعلني غضب صاحبي الغريب المفاجئ أشعر بالحرج والسخافه والازدراء من كل شيء فلملمت أغراضي وخرجت من عندهم مرددا قول الشاعر ما أن ندمت على سكوتي مرة ولقد ندمت على الكلام مرارا ووصلت إلى البيت مبكرا على غير عادتي، وكان ماحدث بداية الأمر الذي بدل عادتي السيئة، وكان رجوعي إلى البيت في ذلك الوقت المبكر لم يثر أي تساؤل في بداية الأمر إلا إن التسائل والعجب الممزوج بأبتسامة خبيثة من قبل زوجتي بدأ بعد أن غيرت ملابسي إذ كان هذا أعلانا بنية البقاء في البيت هذا اليوم، وكنت أشعر بما يشبه الصبيانية والحرج وأنا مشغول الفكر بغضب صاحبي المفاجئ والصورة العجيبة التي حملها عني.

كنا نشغل الطابق العلوي من البيت أنا وزوجتي وأطفالي الثلاثة، وكان أخي يشغل الطابق الارضي وكنت لا أعرف ماذا أصنع إذ كنت منكمشا كطفل كسر شيئا ثمينا ولم يكتشف أمره لولا أن حررني بعض الشئ تحلق أطفالي حولي وأنا أنزل سلم الدار وأستقر بي المقام مع أخي وعائلته وأطفالنا. وكان علي في البداية أن اتحمل تعجب أخي وغمزه وكان التلفزيون يشغلنا أكثر الوقت، رغم أنه كابوس تلك الساعة الشيطانية لا زال يجثم على صدري، وكان هذا سببا لرغبتي الشديدة في الشرب الذي قد يزيل التوتر، ويزيل ما أحسست به من وسخ وإشمئزاز وفكرت أن أعد لي مائدة أشرب عليها في حديقة الدار إلا أنني عدلت عن ذلك ليس تجنبا أو إحتراما لأخي إنما لمظاهر التذمر الخفية المفتعلة التي لابد أن يظهرها ذلك الاخ المتدين إذ يكفيني ما أنا فيه من هم. لذا وطنت نفسي أن أقضي بعض الوقت وأصعد إلى غرفتي لأشرب هناك وقد يكون الاطفال قد نعسوا وناموا. وهمست برغتبي تلك لزوجتي التي كانت تبدو في غاية الراحة بل والسعادة، والتي أختفت بعد ذلك بساعة كاملة، وأحسست أن هناك حركه غير عادية.

ودعي الاطفال أخيراً بصوت أمهم المعهود وهي تصيح من الاعلى وتسميهم واحداً واحدا.

وحثثتهم أنا أيضا على الصعود. وكان من حسن حظي أن أخي وأمثاله ينامون مبكرين لراحة بالهم وخلو صدورهم وإبتعادهم وهم حتى حين يثرثرون فأن ذلك يحدث مع أنفسهم سواء كان تسبيحا أو صلاة... الخ وليس كما نثرثر نحن.

وبعد أن أنقضى شيء من الوقت نهضت وقد نفذ صبري وحييتهم وصعدت إلى غرفتي حينها أوقفتني دهشة كبيرة وأنا أنظر إلى الغرفة، وشغلني ذلك المنظر عن كل شيء إذ لم تكن هي نفسها التي أنام فيها كل يوم وحين أوصدت الباب كان بردا لذيذا قد غمرني.

كانت الغرفه مضاءه بأنوار خافتة غاية بالذوق والدفء، أذ كانت ثمة نشرة ضوئية صغيرة قد كورت وعلقت على شكل عنقود. كانت فكرة مبتكرة حقا وكان يصدر منها ضوءاً دافئا مؤتلفا، وكان ثمة شمعتان جميلتان على المنضده تتواثب أضواءهما على قطع الثلج التي وضعت في إناء زجاجي أنيق فاتح الخضره وثمة صحن كبير مليء بأنواع مختلفة من الفاكهه.

وقد أدهشني جهد زوجتي السريع وتسائلت مع نفسي فيما إذا كانت هذه الامور من نشرة الضوء الى الشموع والاناء الجميل في متناول يدها وبهذه السرعه وهل كانت مهيئة لمثل هذه الليلة.

أخرجت زجاجتي وملأت كأسي، وشربته بسرعة وكان يصدر عن جهاز التلفزيون المفتوح أصوات ناعمه بعيدة وكانت أضواءه التي تختلف من حين إلى حين، تربك ذلك الجو الهادئ الجميل المتألق، الذي كان يشمل الغرفه وفكرت بإغلاقه، وعدلت عن ذلك لانني فكرت أيضا بأنه ربما سيشغلنا حين لا يكون ثمة حديث بيني وبين زوجتي التي لا زالت غائبة عني، وخمنت بانها قد تكون مستحية رغم أني لم أر أي أفتعال بتصرفها ذاك بل رأيت ذوقا وفرحا وإحتفالاً لبقائي هذه الليلة وقضاء السهرة بجانبها.

وما أن دخلت حتى أضفت على الغرفه كلها عبيرا باردا بقامتها بثوب نومها الهفهاف الفاتح الخضره ذو القطعتين والذي وجدت ان له علاقه بلون أناء الثلج والذي لم الاحظ يوما أن لديها مثل هذا الثوب وأوشكت أن أشكرها بكلمة مناسبة إلا أنني رأيت أن الانسب والاكثر تعبيرا واختصارا هو قبله في عينيها ربما خوفا لا شعوريا من الكلام.

وأحست هي بقليل من الارتباك رغم أنها دخلت واثقه رصينة غير مانعة، وبسبب ذلك أقترحت أن ترفع صوت التلفزيون، ووافقتها صامتا، وجلسنا نتحدث بكلمات قليلة، وكنت كلما نظرت اليها تبتسم أو تضحك  وانا أضحك معها ضحكة مجروحة، ضحكة بها مس من بكاء، وكانت تنظر إلي، وكأنها تقول هذا ما قدرت عليه.

وكنت أفكر وأنا أشرب بتلك البساطه والعمق في ذوق هذه الانسانه وكنت كلما أفرغت كأسي تزداد بهجتي ويزداد قلبي حبا وحنوا وكانت حين تنهض لتشغل نفسها بشيء كان يمشي معها ويرقرق مع ثيابها ما يسمى بالحبور.

وكان كلما مر الوقت أشعر بأن كل مافي الغرفه من الشموع إلى المرايا إلى صحن الفاكهه، وأناء الثلج إلى زوجتي وأنا إلى السرير الذي أنهار ترتيبه قد أصبحنا ممتزجين مؤتلفين مثل عنقود الضوء المعلق هناك.

 

 
 

الصفحة الرئيسية | قصائده | قصصه القصيرة | سيرة الشاعر | الشاعر رساماً | كتبوا عن الشاعر | سيناريو
جميع الحقوق محفوظة © 2006                                                                         hosted & designed by: The Red Elephant