سيناريو محتمل.. لموت على الطريقة البوذية

     

أقرأ سيناريو محتمل.. لموت على الطريقة البوذية لثائر أبو زيدون بالبي دي إف
السيناريو بالبي دي إف

أقرأ سيناريو محتمل.. لموت على الطريقة البوذية لثائر أبو زيدون بالفلاش بيبر
السيناريو بالفلاش

ثائر أبو زيدون

مشهد رقم -1-

 كان مساء الخميس الثاني عشر من شباط ككل المساءات.. كان بارداً... خالياً إلا من الحزن القاسي الذي تشرّب في كل الأجزاء حتى تخطى الحواجز، وكانت فكرة الموت.. مهيمنة.. سلطوية.. حاضرة في كل التفاصيل، لكن الأقسى.. ما بعد الموت، وما بعد التذمر حين تموت وتتوارى.. وتترك فراغاً يبعث أسى عميق، وحزناً تئن له القلوب.

كان مساءًا يلقي بظلاله الثقيلة الأعباء.. على القلب، وتفكر من أين البداية، كلمات تتشرب في الآذان لا تطيق سماعها، ظلمة تغلف وجوه الأصدقاء الكالحة، وماضٍ سحيق أصبح ذكرى أليمة.. فرح أسير لايخرج من عنق الزجاجة، وجسد واهن لا يقوى على مقاومة الرشح العصري.. وجيوب خاوية، ممزقة لا تستقبل ورقة فائضة لليوم التالي.

روح مضطربة وخاوية.. خاوية من كل الأشياء، الوضوح والقوة.. خاوية من المواجهة، ولا تقوى على البوح. كأن الكبت التاريخي لحزن الإنسان يتمركز تحت خلايا جسدٍ ممزق، مركب بطريقة عبثية تحت جلدٍ يئن من التشقق، المقرون بأمراض العصر الزهرية تهاجمه جراثيم العوز، جراثيم العزلة.. وعدم القدرة على التفوق لتحيله إلى شئ أشبه بجلد حيوان ميت.. وقد نهشته طيور البرية. كان مساءاً حانقاً، يحاصر الضحية بشتى التساؤلات.. عن الغد الذي لن يأتي يوماً ما...!

مشهد رقم -2-

 كان مساءاً مضطرباً... والعزلة تضرب في أعماق الروح الخربة، كان كعادته في أيامه الأخيرة.. يخبئ روحه خلف قضبان الصمت القسري حيث أخذ الصوت يتلاشى... شيئاً فشيئاً، حتى أضحت الكلمات الخارجة من تحت اللسان كأنها تخرج بحبال من الألم، وحين تخرج الكلمات فقد تترك شقوقاً ذا أثر على الشفة السفلى... وقيح في البلعوم.

وعلى غير عادة الأيام أجتمعت العائلة حتى وقت متأخر، تلوك أطراف الحديث عن غير قصد وعمد.. ولكن بتوجس... وكأن شيئاً في طريقه للأنفجار، تأخر الأولاد.. وأخروا مشروع استلاب الروح، ولا زال يفكر بتعديل سيناريو الموت... الآتي قسراً...!

حين يختلي بنفسه لبعض الوقت.. يذرع الغرفة، جيئة وذهاباً، يفكر في طريقة لا توقظ الآخرين، وكان يجيب على ولده وبناته بجوابٍ مقتضب، وربما بنعم أو لا... في حين تتجه أنظاره وبنات أفكاره على عيدان الثقاب... علبة البنزين... المكتبة... المروحة، ولوحة تركت شقاً في الحائط يشبه الشقوق المتروكة على جسده الواهن.

تنهال الأسئلة في هذا الليل الذي يلف أحزان الناس بعبائته السوداء، وحين يكون السكون... الوجه المطلق لهذا الليل.. تتفجر الكلمات كشلال، كنزيف الدم... الذي لا يكون بمقدورك إيقافه.

الليل... هذا الصديق المحبب القاسي، حين ينصب خيامه... لا نعرف أين ومتى محطه، ربما للإستراحة، وربما لرحلة جديدة من الحزن والتعب اليومي.

كانت ساعات ليلة الخميس ثقيلة جداً... ولا تنجلي، متى سأكون وحدي ومتى ينام الجميع لألعب لعبتي التي تحاصرني منذ أمدٍ ليس بالبعيد.. وبعد أن فرش الصمت خيوطه على غرف البيت، عاد الصمت.. والهدوء، كأرضية اللوحات... كانت الساعة الثانية ليلاً... قنينة من العرق المر، وهذه المرة لن أضع مزيداً من الماء في الكأس.. كأس أولى كأنها العلقم، وما أن ترطب فمي حتى الكأس الثانية التي بدت أقل مرارة.. بدأت النشوة تدب بدبيبها في هذا الجسد الواهن.

لا شك إني الآن في أعلى درجات الهدوء... السكينة...

للمرة الألف تفحصت عدة الموت القسري.. غرفة هي مسرح الحدث، سكينها عود ثقاب ووقودها كتباً مستلقية دون اكتراث... بعد الكأس الرابعة... بدت الامور أكثر سهولة، فليس ثمت أصوات تسمع، وليس من شئ يدفعني للقلق.. لقد نامت الزوجة... وصعد الأولاد على سلم أضلاعي، وكأنهم ذهبو للتو.. وكأن حزني عليهم أشد من حزني على نفسي... لا شك أنهم نائمون الآن، وربما يحلمون.. هنيئاً... ويا أسفي على جمعة غدٍ... يا أولادي الأحباء.

في هذه الساعة المتأخرة... لا أحد يعلم بقراري، ولا أعلم ماذا سيقولون عني غداً... أين أنت يا كامل، هل تعلم بأن شجارك معي سيتوقف أعتباراً من فجر الجمعة... وأنت يا أبا ظفار... هل تعلم بأنك لن تجد من يفسد عليك جلستك بعد الآن... وأنت يا ثائر، سوف لن تتململ مني... وأخيراً أصدقائي البلهاء الباقين.. رثائي لكم... يوم أموت... ويوم أدفن حزناً.

أين أنت يا مصدق... وماذا يجول بخاطرك يا صديقي العزيز.. هل تنس كل دعاباتي... وهل يبقى لي شئ في ذاكرتك المشاكسة.. وأنت يا صابر.. أخذت قسطاً كبيراً من تهكمي.. ولك مني كل الحب.

لا شك أن الجميع نيام الآن... الساعة الثالثة ليلاً، ولا يعلم أحد بما يجول بخاطري... كأس أخرى من الجمر... غرفة منعزلة تم إحكام غلقها.. مكتبة تصلح أن تكون وقوداً لجثة تود أن تتطهر من أمراض الروماتزم ومن عهر العصر الحديث... أريكة متكئة على الحائط.. ومروحة أجنحتها كأنها المقصلة... لا شك أن هناك وقوداً مساعداً على الاحتراق... أرضية جيدة صالحة لإشعال النار.. ومدفأة كهربائية.. وسكائر وعيدان من الثقاب لن تخطئ في إشعال النار.

كأس أخرى من العرق العلقم... بل اللذيذ، لكن طعم المرارة على لساني.. بدأت الأفكار تتداخل مع بعضها.. الصور تهتز... وأضحت أكثر تشوشاً، لكن شيئاً واحداً لا يطاله الغموض... هو الموت.

بحركة بطيئة متثاقلة... حملت "جكاً" من النفط وبدأت أرش به ثنايا الغرفة المعزولة... الأرض، بين الكتب، الأريكة... وجروحي.. وملابسي، الحائط واللوحة، أبواب المدخل تأكدت من إحكام قفلها.. كأس أخرى بدون الماء... وأخذ رأسي يدور... حتى المروحة أخذت حصتها من النفط الذي توزع شيئاً فشيئاً.. تابعت المشهد من زاوية في الغرفة، وكأنه يوم عمل يختلط فيه الجد والفزع... الحزن والذهول.. الخوف والقلق.

شعلت أحد عيدان الثقاب... قربته من أريكة.. شعرت بالذهول وهول الكارثة.. أطفأته، شربت كأساً أخرى... أسترخيت، وبدأت من جديد أقود الزلزال المتفجر بداخلي.. وكأني أغرس سكيناً حادة في أوصالي... وفي علبة النفط.. هناك شيئ متبقي.. وبحركة هلامية نثرته على أرضية الغرفة... في الوقت الذي تناولت فيه لآخر كأسٍ مما تبقى في قنينة الجسد "عفوا قنينة الخمر" وأجتمعت كل الصور في ذاكرتي، في لحظة متفجرة... أصوات عالية... صراخ.. وجوه نساء، الزوجة، أبني، بناتي.. أصدقائي الكثر.. وكلعبة الروليت الروسي أشعلت بعود الكبريت في جسدي... ملابسي... أرضية الغرفة.. المكتبة... وبدأت النار، والخمر تصهرني في بودقة واحدة.. بدأت الصور تتلاشى أمامي... وتكون أكثر غموضاً.. وبعداً... وشيئاً فشيئاً أضحت الغرفة وكأنها الجحيم، لكني.. أشعر بالدوار.. بالقيئ.. والتباطؤ.. ثم سقطت غافياً للأبد.

 مشهد رقم -3-

 في صباح الجمعة الثالث عشر من شباط، كنت نائماً... ثقيل الجسد.. وعلى طرقات الباب القوية صحوت.. كان صديقي أبو ظفار.. ترتسم ملامحه على زجاج الباب المظلل بنظارته وترتيبة شعره..

وبعد أرتباكي والبحث عن المفاتيح... وفتح الباب، كان يقف كشبح من عالم آخر... كلمات خرجت من ثنايا ضلوعه، وبطريقة خالية من الحياة.. لقد أنتهى طه... كيف... ومتى، ولكن... لماذا... لم يجبني.. أنتهى الأمر ولم يقل شيئاً.. لقد أنتهى.

 مشهد رقم -4-

 بعد دقائق جمعت أشلائي... وذهبت صحبته.. كان طريقا طويلا رغم قرب المسافة، حين الوصول رأيت الصمت يلف باحة الدار... شرطي مدجج بالسلاح يقف أمام الباب، أنه حريق مروع.. النساء يبكين بصوت خافت.. والوجوه تتوافد، بدأت أشعر بالمرارة... لا أعرف كنه الموقف... طه مسجى في الحديقة ولا تقدر أن تر جثمانه... وتوافدت وجوه أخرى.. أبو سلام، فاضل، أبو عمر.. صابر... مصدق لا يكف عن البكاء... ومن بين أشلاء الجثث الأحياء تعالى صوت أم مصدق... يا يوسف.. لقد جاءك طه.. عزيزك.. حبيبك.. فرحب به.. بكيت دماً من قلبي... ولم أستطع أن أوقف النزيف..

 مشهد رقم -5-

 بعد أنتهاء التحقيق ذهبت الشرطة.. دخلت إلى الدار.. الخراب يعم غرفته... وطه يصك بيديه حول كتفيه.. رجليه مفتوحتان.. ولم يستوعبه التابوت، ألقيت عليه بطانيتان.. رأسه يسيل دماً.. أثر الحريق.

كان جثة متفحمة.. وتسيل دماً وترفع رأسها للسماء وكأنه موسى يقول.. أين أنت يا ألله...!!

دخلت الغرفة التي طالما جمعت فوضانا.. خاوية.. خالية سوى من مسامير المكتبة.. جدران سوداء وليس للمروحة من أثر... وبقايا علبة معدنية لمدفأة كهربائية وهيكل من المعدن للأريكة.. أبواب الصاج محترقة... أتكأت على الخلف حول هيكل المجمدة حيث أنفجر ماطورها... وثمت زجاج مهشم وروح تئن وتحوم كفراشٍ مقدس حول الأحياء.. الأموات... المعزين.

 مشهد أخير

 صديقي العزيز.. عبق من دجلة ينساب من فمك حين تتكلم.. لم يسكن قلبي صديق غيرك عبر أيامي العجاف.. طيفك يلاحقني في وحدتي.. وحطام جسدك يلقي ضلاله حول زوايا روحي الخربة... أنام مطمئناً... فذاكرتي لا تتسع لأكثر من أثنين في الليل، وسرير الصداقة ربما يتسع لثلاثة... وأعلم بأن الحزن عباءة، والفرح قميص.. وها أنا ألبس قميص حزنك الذي غادر فرح القصيدة في سنوات خلت.. وحين أعلم بأن الكلمات الصادقة لا تسكن مع أحد لأكثر من خمس دقائق.. كالفراشة التي لا تستقر على غصن.. أطلقها لك... كما هي.

كنت أعلم بأنك جريح.. وأعلم أن صهوة جرحك تقودك إلى أحزان مضرجة بالقيح المؤلم، لكنه ليس الهوان.. ربما يثير في نفسك الرغبة في القرف والغثيان ويمر بمرحلة تصل إلى الموت.. موت الفرح الآتي... لكنه لا يلوث روحك المملوءة بعبق من دجلة وأزهار الرازقي... ونار الشعر المخبوءة تحت جلدك المثار للتساؤل.

حين يزداد الهمس عنك من حيث تدري أو لا تدري... يزداد القلق تحت جلدي الذي يوخزني دوما ويجعلني في حالة من الاستنفار.. كي أرد على الاسئلة التي لا تحد الآذان التي تسمع...

أنا أعلم أن خيولاً مجنونة وحدها التي تخط خطاها في حقول عالمك المترامي الاطراف... حيث لا مدى للمسافات ولا زمن يحتويها.. أنها تتبعني.. وتجعلني أركض مع الريح.. أتسابق معها كي ألحق بك.. دون جدوى.

 
 

الصفحة الرئيسية | قصائده | قصصه القصيرة | سيرة الشاعر | الشاعر رساماً | كتبوا عن الشاعر | سيناريو
جميع الحقوق محفوظة © 2006                                                                         hosted & designed by: The Red Elephant